اليه العمل في المراكز الاجتماعية :
اولاً « ان لكل شعب نوعاً من المجرمين الذين يتفقون مع ظروفه . وثانياً : « ان كلاً منا او معظمنا بوجه عام يستطيع بما تطبعه عليه الهيئة الاجتماعية او الوسط الذي نعيش فيه . ولقد عبر « سيجي » عن ذلك احسن تعبير منذ حوالي خمسين عاماً عندما قال : ان الامور الغيبية هي نفسها امور متصلة بالجسد » .
اذا نقلنا جميع هذه الحقائق الى نطاق حالة فردية لوجدناها واضحة في المرافعة التي قام بها اخيراً الاستاذ بوديه المحامي عندما ترافع في يوم ٢١ نوفمبر الماضي عن الطالبة الشابة بولين ديبريسون البالغة من العمر ٢٢ ربيعاً عند محاكمتها بتهمة قتل عشيقها . وقد توصل هذا المحامي الى انقاذ حياة المتهمة وجنبها حكم الاعدام بفضل تلك الأسباب التي لخصها في ختام مرافعته ، ونوردها هنا بنصها . قال : « اني اطلب منكم على لسانها الصفح عنها . الصفح عنها من اجل جميع هؤلاء الآباء الذين يلدون اولاداً ويظنون انهم يحسنون تربية هؤلاء الاولاد بينما لا يخلفون منهم سوى مخلوقات على شاكلتهم الصفح من اجل هؤلاء الآباء الذين يمنحون الحياة لأولادهم ثم يبرون بجوارهم دون ان يروهم » .
يتضح من ذلك أنه يجب ألا نكتفي في موضوع الجريمة بسن القوانين مهما بلغت تلك القوانين من الدقة والكمال . فبدون الخدمة الاجتماعية المنظمة طبقاً للأسس التي ذكرناها لن نحصل الا على عقوبات تفرض ومجرمين عتاة تخرجهم السجون . ذلك ان القانون بحكم وظيفته له صفة عامة بينما ان الغرض الذي نسعى لتحقيقه من وراء الوقاية الاجتماعية انما
يتطلب منا العمل على حماية المجرمين جميعاً واصلاحهم وتأهيلهم للحياة الشريفة ، فهم في الواقع ضحايا قبل ان يكونوا مجرمين .
في سنة ١٩٤٠ طالب اتحاد حماية الاحداث في لبنان وزارة العدل بالعمل على انشاء مكتب خاص بشؤون المجرمين الاحداث . وقد حصل الاتحاد على تحقيق طلبه هذا في سنة ١٩٤٤ . ثم طالب بانشاء معهد للاصلاح والتربية فحصل عليه في سنة ١٩٤٧ . واخيراً طالب بانشاء محكمة للأحداث ، وحصل عليها في سنة ١٩٤٨ . ويقوم الاتحاد بالخدمة الاجتماعية بين المجرمين اثناء قضاء عقوباتهم وبعدها . وقد كان المستخدمون الذين يقومون بهذا العمل لديها في اول الامر من بين الممرضات والزائرات وهن اليوم من الاخصائيات الاجتماعيات الحاصلات على اجازة خاصة بهذا النوع من العمل من المدرسة اللبنانية للاعداد الاجتماعي . انشئت هذه المدرسة في شهر سبتمبر سنة ١٩٤٩ وقد استطاعت اخيراً من اعداد العدد اللازم من الاخصائيين الاجتماعيين ممن تزداد حاجة البلاد اليهم كل يوم . وستجدون حضراتكم ضمن مرافعات هذا البحث البرنامج المفصل للتعليم الذي يقوم به هذا المعهد . ومن الواجب علي ان اشير الى الجهود التي تبذلها وزارة الشؤون الاجتماعية بمعاونة هيئة الامم المتحدة لانشاء مركز للاعداد النظري العملي للاخصائيين الاجتماعيين الرسميين والمساعدين . ونحن نأمل ان يبدأ هذا المركز نشاطه في اسرع وقت ممكن لكي يتوفر لدينا العدد الكامل من هؤلاء المساعدين الذين يقوم على كاهلهم اساس الخدمات الاجتماعية كلها .
لقد صدر مرسوم جمهوري اخيراً
بقصر لقب الاخصائية الاجتماعية الرسمية على خريجات المدرسة اللبنانية للخدمة الاجتماعية وحدهن . ونحن ننتظر من المركز الاجتماعي وخصوصاً من وزارة الشؤون الاجتماعية العمل المستمر لاكمال هذه البداية وارساء هذا النظام وخصوصاً العمل على تحديد اختصاصات الاخصائيين الاجتماعيين . ولعل الوقت قريب حيث نرى جميع الجمعيات الخيرية والمصالح الكبرى والادارات العامة ذات الشأن تقتصر على منح وظائف الاخصائيات الاجتماعيات لأولئك اللاتي تتوفر فيهن الشروط المنصوص عليها في هذا النظام من بين المشتغلين بالمسائل الاجتماعية .
البحث الاجتماعي
لما كانت الخدمة الاجتماعية قد نظمت على الوجه الذي رأيناه ، فان دور الباحثات الاجتماعيات يبدأ أمام القاضي منذ اللحظة التي يسند اليهن فيها اعداد البحث .
وهذا البحث يجب ان يمد القاضي بعناصر دقيقة وموضوعية تتعلق بمعلومات عن الحالات المطلوب منه النظر فيها والتي يكون صالح المحدث مرتبطاً بها .

