تحملني ذاكرتي الان عبر السنين الخالية يوم لمحتك للمرة الاولى زهرة فواحة تمايل بين بنات الافكار تنتقي منها شذى حلالاً تضيفه الى عطرها الاخاذ . وتقدم مني حارس تلك الخميلة وقدمني اليك قائلاً :
- احدى فتيات مجتمعنا المثقفات . وكان تعارف نشأت عنه صداقة وضعت اسسها ميولنا المتشابهة واراؤنا المتقاربة ، فقد كنت انا من متذوقي الفنون وكنت انت فنانة بطبعك تسيل اناملك طبعة على اوتار عود وتتلاعب راضية فوق لوحة وألوان فتنطق الجماد وتبعث الحياة في الكائنات . وكان لك من واجباتك ما شغلك عن التفكير بي بينما لم تغب صورتك لحظة واحدة عن خيالي . وتخيلتك تلك الفتاة التي يصبو اليها كل شاب يسعى قلبه الى الحياة وتطلب نفسه الاستقرار . لا تظني اني كنت ضحية اهواء عابرة كونت عنها رأياً فيك ، لا ، لا وحق نقاوة حبي وعذريته ، ذهبت استقي اخبارك من افواه معارفك ومن يحيط بك . عشت معك طيلة هذه الايام وكنت انت بعيدة عني لا تحسين وجودي . سرت وراءك وعلمت عنك القريب والبعيد ، حتى اهلك اصبحت اعلم عنهم اكثر مما اعلم عن نفسي واهلي .
بقيت امني النفس بالاجتماع بك مرة اخرى حتى تحققت امنيتي يوم اقيمت حفلة موسيقية لطالبات معهدك ، وكنت انت احداهن فذهبت لحضورها وبي شوق لرؤياك اكثر مني الى سماع الموسيقى . ولا تسلي عن فرحتي ساعة رأيتك تتقدمين من البيانو وتأخذين مكانك فوق كرسيه والجميع اعين مصبوبة اليك . واخذت اناملك تعبث متلاعبة بالالحان فخلتك تعزفين لي وحدي فقط . عمي بصري عن كل ما يحيطني وتخيلت نفسي معك تجمعنا غرفة واحدة وانت لا تألين جهدك لاسعادي وادخال البهجة الى قلبي . ولم يرجعني الى صوابي سوى تصفيق الحضور معلناً انتهاءك فلم اشعر الا وصوتي يخرج من حنجرتي حاداً . - برافو ! برافوا
وصرت بعدها محط انظار الجميع بينما رأيتك وقد صبغت
الحمرة خديك تنحنين لي وتشيرين برأسك علامة الشكر والامتنان . وفي نهاية الحفل تقدمت منك وشددت على يدك مهنأً فقدمتني الى اهلك واصدقائك ، ولن انسى تلعثمك في ذكر اسمي وكيف يحق لي ان ألومك ونحن لم نجتمع الا مرة او مرتين . وودعتك بعد ان قرأت في عينيك قصة طويلة لعذاب مرير لا يعرف مداه الا من قاساه . واصبح همي الوحيد ان اجد وسيلة للاجتماع بك . وكان لي ما اردت حصلت عليه بطريقتي الخاصة ولم يكن حافزي في ذلك سوى حبي واحترامي لك . تكررت اجتماعاتنا وجربت خلالها ان ادرس نفسيتك واخلاقك فخرجت منها بنتيجة اثلجت قلبي :
كنت اول شاب في حياتك بعد ان نشأت في بيئة محافظة . وقامت في وجه علومك عقبات كأداء لم ينجك منها الا صبرك وجلدك . وعاهدتك على الاخذ بيدك فكسبت بذلك ودك واخلاصك ، ومع الزمن شعرت بانك تكافحين الامرين للاجتماع بي اذ كنت تخافين من نهاية مقابلاتنا . اصبحت تخشين ان يقع حبي في قلبك قبل ان تتمكني من معرفة ما في نفسي . ووقع ما كنت تخشين ، رأيته في كل عضو من اعضاء وجهك ولمحته في كل كلمة كانت تنطق بها شفتاك .
وكان هذا ما اردت فقد عشت هذه الايام اصبو الى تلك النتيجة حتى زفتها لي عيناك ونقلتها تنهداتك . وكان تصريحاً مني امدك بالقوة فعاهدتني على الاخلاص لي والتفاني في مرضاتي واخبرتك ان امامي سنتين قبل ان استطيع توفير الحياة التي اريدها لك فوعدتني بالانتظار حتى نهاية العمر ، وكنت صادقة في وعدك فقد صرح لي بذلك رسولي لديك .. عيناك .
ودعوتني لزيارة منزلكم بعد ان تعرفت الى اهلك فذهبت والغبطة تملأ نفسي ولكي الآن اصرخ من اعماقي : لا ليتني لم افعل ذلك ، ليت قدمي شلت قبل ان وطأت عتبة المنزل . هلا تزالين تذكرين تلك الليلة وما جرته معها من شؤم على روحينا ؟ هلا تخيلت معي ساعة انطلقت اتحدث مع والديك فسألاني عن عائلتي ومن تكون ومن تنحدر والى اي بلاد انتمي ؟