ان « ادونيس » اوجد في شعره هذا وفي غيره الكثير من عظمة المرأة التي افقدتها اياها بعض نفوس او كادت ، ورفعها باحرف ملتهبة عن سطحية الوجود الى حيث تجد لها مستقراً في عوالم النفس تعيش فيه وترتفع به . كما انه دلّل في كثير من قصائده الرائعة على ان المرأة عطاء مستمر للكون لا ينضب لها معين ، ولا تذبل لها ازهار .
ان « ادونيس » لم يتغزل في شعره بشفة امرأة ملتهبة ولا وصف لها نهداً ، كما انه لم يذكرها بمادة الا وكانت مزوجة بروح ، تُلمّس وتُحسّ لكنها لا تشوه ، لقد قرأت المرأة الكثير عن نفسها ، لكنني اعتقد واثقة ، انها ما رأت ولا قرأت نفسها كما رسمها لها « ادونيس » خلاقة مبدعة ، لها الكون بما اتسع ، ومنها اشعاعه المضيء .
فأين المرأة في نظر الرجل منها في نظر شاعر « كأدونيس » هذه المخلوقة التي جُبلت بالحنان والحب ؟ اني لها ان تجد صدى
لنفسها العميقة كما وجدتها في قصيدة كهذه وفي قصائد اخرى غيرها يرسلها اليها « ادونيس » عن عقيدة متينة وفي صدق الامين ، لا ينتظر منها جزاء ولا يعترف بغير ما يصدر من صميمه ، من نفسه .
هذه هي المرأة في عالم « ادونيس »بل في عقله وقلبه وعلى ريشته المخلصة
لهذا الجزء المتمم للمجتمع الصحيح - للمرأة الأم وللمرأة الزوجة وللمرأة الأخت ، بل للمرأة الكون كما عرّفها هو ويعرّفها دائماً .
انني أحس بنفسي « كامرأة » تكبر وتعظم كلما قرأت لأدونيس قطعة او سمعت له شيئاً كما اني احسها ثورة صاخبة كلما قرأته شعراً قومياً ، ان ادونيس كتلة من الايمان الحق ، وكتلة من عاطفة زاخرة وعقل متزن ، بل انه غدٌ باسم للخير والجمال والابداع ...
وهل كان لامرأة ان تغني نفسها كما أنشدها في أحرف سكبت من روحه ، روح لم تُحس وجودها كما احسها من قبل شعراؤنا وادباؤنا ! بل رفعت بها الى عوالم الآلهة ، واوجدت منها القوة الكامنة في نفس الانسان ، وخلقت منها عالماً حنوناً يغمر الكون حباً وجمالاً واعتداداً ..
هذه هي المرأة التي أنشدها « أدونيس » وصورها في يأسها قوية وفي حرمانها مشبعة من نفسها ومن وجودها ، تريد ان تحيا ، وتريد ان تعبق اريجها في انحاء هذا الذي سمي « بقلب » الرجل ، فتبعث منه جمالها ، وتبعث منه شعلاً محترقة من نفسها تنثرها على زوايا نفسه المعتمة فتوقظ فيها الحياة وترسل اليها النور !
هذه هي المرأة التي أنشدها « ادونيس » رغم انها جحدت نفسها وتهالكت في حملها .




