كنت وحيدة والدتي ... وكنا نعيش في منأى منعزل منكمشين على نفسينا ... وكل ما اعلمه عن والدي انه هجر والدتي لاسباب لا علم لي بها، غير اني كنت الحظ ان والدتي لا ترغب في التحدث عنه، فكنت اذا ما اتيت على ذكره تجهم وجهها، واكفهرت قسماته وعلاه لون من الكراهية يجعلني انكمش على نفسي منخذلة ... على اني تمكنت ان استنتج مما كانت تردده على مسمعي بين الآونة والاخرى، بأن والدي لم يكن مثالياً ... فهي ما تفتأ بمناسبة وبدون مناسبة تحذرني قائلة: اياك يا بنيتي والرجال، هذا الجنس الخبيث، المحتال، المخادع ... هؤلاء الذئاب الخونة، الذين ينهشون لحم البشر دون وازع او رادع من ضميرهم ... وتصمت حانقة ناقمة، تصرصر اسنانها متوعدة مهددة ... واومئ انا برأسي الصغير وكأني استوعبت ما قالته ...
كنت احب والدتي، بل ان كلمة الحب غير كافية للدلالة عن هذه الصلة العميقة المتأصلة التي كانت تربطني بها ... كانت تكرس حياتها لراحتي، تعمل ليل نهار، لتؤمن عيشي، وتوفر لي جميع اسباب الراحة ... وكانت اجمل الساعات لدي تلك التي اجلس بها اليها نتجاذب اطراف الحديث ... احدثها عن مشاكلي المدرسية، عن معلماتي ورفيقاتي، وتحدثني هي بدورها عن ذكريات الطفولة وتضمني طويلاً ... وكان يكفي ان تشير والدتي
من طرف خفي الى عدم رغبتها في شيء، حتى اسارع الى الابتعاد عنه، ولا اعود اليه مرة اخرى ... اذكر اني اتيت مرة الى المنزل في زمرة من صديقاتي، كان يصحب بعضهن اخوتهن الصبية، وكنت آنذاك لا اتجاوز العاشرة من سني ... فما كادت والدتي تبصرهم حتى تجهم وجهها، وتقلصت سحنتها، واحسست بموجة من الغضب تسري في قسماتها ... وخلت انها غضبت لاصطحابي هؤلاء الصغار، بينما تريدني هي ان انفرد بها لنتحدث بهدوء كعادتنا ... ومضيت اعرفها بهم، واحسست انها تغتصب ابتسامة لترحب بالصغار، ولم يكد هؤلاء يرتحلون حتى عدت الى والدتي اضمها الى صدري وانا اسائلها ان كان هناك ما يقلقها، وان كان في مجيء الصغار الى دارنا ما يثيرها ... وضمتني الى صدرها بتحنان، ومضت تتمتم بكلام، فهمت منه انها لا تريد ان تخسرني، وانهمرت الدموع من عينيها مدراراً، فاشفقت عليها ودفنت رأسي في صدرها وانا اردد على مسمعها باني احبها حباً جماً واني لن ادع هؤلاء الصغار يشاركونها في مطلقاً ... على اني لم ادر السبب الحقيقي لثورتها الا في المساء عندما فرغنا من طعام العشاء الذي ازدردناه بهدوء وصمت، وما كادت تتناول قدح القهوة التي اعتادت تناوله بعد الطعام مباشرة حتى اقبلت علي وفي عينها نظرة اشفاق ملؤها حنان
وعطف، ثم احاطتني بذراعها وهمست قائلة: من هؤلاء الصبية الذين كانوا مع رفيقاتك؟! واجبتها بدهشة: ألم اعرفك بهم، انهم اخوة لهن ... وندت عنها ضحكة مغتصبة، تجهم على اثرها وجهها، ثم اخذت تتمتم وهي تحدق بقدح القهوة امامها: - انا لا احب هؤلاء الصبية ... انهم اشرار ... اشرار ... ينتمون الى ذلك الجنس الخبيث ... جنس الذئاب.
كانت هذه الكلمات كافية لان تجعلني ادرك ما يجول بخاطرها ... على اني بقيت عاجزة عن ان ادرك تماما ما تعني بقولها اشرار ذئاب ... ورفعت اليها عينين متوسلتين وانا اسائلها مستفهمة:
- ماذا تعنين بقولك اشرار ... ذئاب ... هل تعنين انهم يأكلون الصغار امثالي ...
وترامت على شفتيها ابتسامة رقيقة وهي تجيب:
- غداً عندما تشبين يا بنيتي ستدركين ماذا اعني بقولي هذا ...
وسكت انا شبه مقتنعة ... ذلك لأن والدتي لا تخطئ ...
★
بت انتظر ذلك اليوم الذي اشب فيه فادرك ما تعنيه والدتي بقولها: اشرار ... ذئاب ... واخذ يعتورني شبه ذعر ورعدة، كلما وقع نظري على احد الصبية او الرجال، فكنت في

