ذهابي وايابي من المدرسة ، احث الخطى ، واعود مسرعة وانا اشعر بنبضات قلبي تتسارع متلاحقة الى ان اصل الى المدينة منهوكة مضطربة ، فاقتحم حلقة الصديقات واحاول ان ابدد ما علق بي اثناء الطريق من خوف واضطراب ، حتى اذا ما حاول احد الصبية في الصف ، ان يندمج في حلقتنا زجرته معنفة حانقة ، وانا افهمه باننا لا نرغب في صداقته ، فهو وحش مفترس ...
وكنت اذا ما عدت مساء الى البيت اسرد على والدتي كل ما يحدث معي اثناء النهار بما فيه ابتعادي عن الذئاب الاشرار ، فتربت على كتفي وهي تقول : مرحى ! مرحى ! هكذا اريدك يا بنتي جريئة قوية ، لا حملة وديعة يرغب في اغتصابك كل من يراك ...
★
ومضت الايام تترى ... وقاربت السابعة عشرة من عمري وبدأت متاعبي تزداد يوماً فيوماً ، وآلامي تتكاثر ساعة فساعة ... كنت اشعر بقلق واضطراب لا ادري مصدرهما ، اشعر انني اريد شيئاً ولكني لا ادري ما هو ، ابحث عن شيء ، ولكن لا علم لي به ، وكان ينهكني هذا الشعور ، ويضني هذا الاحساس الغريب ، فامضي افكر وافكر دون جدوى ... وكان ان اصبحت اشبه بالذاهلة الشاردة ، واصبحت نظراتي زائفة ، قلقة ، تائهة ، ووجهي شاحباً ذابلاً ، وجسمي هزيلاً منهوكاً . وكنت اضيق بنفسي ... وكانت والدتي لا تقل ضيقاً عني ... كانت تسألني قلقة بين الآونة والاخرى عما يؤلمني ، ويقض مضجعي ، ويلحق بي هذا الذبول والشحوب ، فلا ادري كيف اجيبها ..
ومرت الايام وتطورت معها حالتي من سيء الى اسوأ ... وتفاقم قلق والدتي ،
فلم تر خيراً من ان تسوقني الى احد الاطباء ، عله يطلعها على السبب الخفي في انهياري ...
★
كان الطبيب شاباً في مقتبل العمر ، وسيماً انيقاً ... رحب بنا بابتسامة عريضة ، واجلسني قبالته ، ومضى يوجه الي السؤال تلو السؤال ، ثم اقبل علي يفحصني عضواً عضواً بدقة وتؤدة ، وبعد ان انتهى من عمليته تلك ، نظر الى والدتي قائلاً :
- ان ما بها ليس مرضاً صحياً معيناً ، انما هزال عام ناتج عن بعض الامور النفسانية المعقدة ... واذا كنت حريصة على حياة ابنتك ، فنصيحتي اليك ان تخرجي بها من عزلتها الى العالم الرحب ..
وسألته والدتي متلهفة جزعة :
- وما العمل الآن ايها الطبيب ...
- ستحضرين لها بعض العقاقير ، ثم عليها ان تأتي الي اليوم بعد الآخر لاحقنها ببعض الابر المغذية ...
اخذت اتعاطى الدواء ... كما اخذت
والدتي تصحبني اليوم بعد الآخر إلى الطبيب ، ليحقنني بالابر المغذية ، ويرى مدى تحسني ... كان الطبيب من اللون الطلق المرح ، من هؤلاء الذين ينظرون إلى الدنيا من خلال منظار مشع مضيء ... لم يلفت ناظري باديء ذي بدء ، فقد كان بنظري كجهاز أو آلة يستعمله الإنسان ليرى الخطأ ثم يحاول تقويمه ومعالجته ... ولكن ما ان تكررت زياراتي له حتى بدأت ارى فيه انساناً ... ولا اقول رجلاً ... اذ لو رأيت فيه رجلاً منذ البدء ، لكنت ردعت ، وانكمشت على نفسي مضطربة مذعورة . ولكني رأيت فيه انساناً كوالدتي ... رحوماً ... شفوقاً ... محدثاً لبقاً ... متفهماً لكنه الامور ... يحاول بكل ما اوتي من قوة للعمل على توفير راحتي وسعادتي ...
ولم اشعر بي بدأت انتظر زياراته بشوق ولهفة ... اصبحت اجد لذة كبرى في الجلوس اليه ، والاجابة على اسئلته ، وسماع تعليقاته اللاذعة المضحكة . ولم يكن ينغص علي تلك الدقيقات القصيرة الممتعة ، سوى نظرات والدتي التي