كانت ترمقني بها من طرف خفي ، خاصة
إذا ندت عني قهقهة مرحة ، أو أسهبت في
حديث ما ... ولم تشأ الصدف أن
تتركني أتمتع بتلك الفترات القصيرة
البريئة ، أنسى بها ما كان يقض مضجعي
من قلق دائم واضطراب خفي ... فلقد
ألمت بوالدتي وعكة ألزمتها الفراش ...
وكنت ، لولا ذلك ، لا أفكر مطلقاً في
الذهاب إلى الطبيب بمفردي ...
لم أدر كيف تجرأت ذات يوم
وسألت والدتي أن تسمح لي أن أحضر
لها الطبيب ، عله يخفف من علتها ...
ولا أعلم تماماً ما الذي حدا بي أن
أفعل ما فعلته ، أكان حقاً رغبتي في
تخفيف ألم والدتي ، أم كان شوقي إلى
تلك الجلسات الهادئة التي كنت أتلهف
شوقاً إليها ، والتي كانت متنفساً لكربي
ومنفذاً لحياتي الرتيبة المملة الهادئة ...
كان الطبيب يعاين أحد المرضى ،
عندما قرعت الباب الداخلي لعيادته ،
وأحسست أن أساريره انبسطت لدى
رؤيتي ، وسرعان ما أدخلني متسائلاً عن
غيبتي الطويلة ، ثم عن والدتي ، وعندما
أخبرته أنها مريضة ، أبدى جزعا ، ولكني
طمأنته بأن ما بها لا يشكل ثمة خطراً
شديداً . لم يكد ينتهي من مريضه ،
حتى أجلسني قبالته ، وأخذ يحدق في
وجهي وهو يقول :
- إن صحتك والحمد لله قد تحسنت
كثيراً ، ووافقت أنا بإيماءة من رأسي ..
ومضى يقول وقد اقترب قليلاً مني :
- ألم يقل لك أحد أنك أصبحت
الآن أجمل منك قبلاً ...
واجتاحت وجهي موجة من الحمرة ..
ولكنه مضى يقول وكأنه لم يشعر
بارتباكي - «على كل أنت جميلة دائماً...»
ولم أشعر إلا وقد حوطني بذراعيه ،
وفجأة ولا أدري كيف ، تمثلت أمامي
والدتي وقد تجهم وجهها ، واكفهرت
قسماتها ، وهي تصيح : هذا الجنس
الآخر ... أشرار ذئاب ... غداً عندما
تشبين ستدركين ماذا أعني بقولي ...
وأفلت من بين ذراعيه مذعورة وجلة ،
ومضيت هاربة إلى أقصى القاعة وأنا
أصيح : اذهب أيها الذئب الشرير ،