مع اول الربيع ، تبعث الحياة في الارض ، ويكتسي وجهها خضرة ولوناً ، فتشيع في الاجواء معالم الفتوة والنشاط ، ويهبّ الناس الى اعمالهم ، بهمة جديدة لا تعرف الكلال ... فالربيع اجمل هدايا الطبيعة لبنتها الارض ، ينالنا من رشاشها خير عميم ، يهيب بنا الى الاستبشار بعد اليأس ، واستئناف ما اهمل من واجباتنا الدنيوية ، بتفتح ورجاء ..
ويلاحظ المراقب لتطور الاحداث العالمية ، ان نشاطها ابان الربيع يكون عادة ضعف ما كان عليه زمن الشتاء والزمهرير ، اذ العقول في لهوتهم العظمى خلف دفء وقوت وسمر شهي ... بينا نرى في طبيعة فصل الربيع رفضاً فاضحاً لهذه الرفاهيات والتحولات البدائية ، وتبرماً بالكسالى الخاملين من الناس ...
والمرأة في الربيع يتخذ صراعها المزمن في سبيل قضيتها الكبرى ، وجوهاً واشكالاً ، تتفاوت لِيناً وعنفاً : فوسيلة المرأة العراقية اثارة الدعاية بين الرأي العام والهيئات الحكومية عن طريق الاذاعات والصحف والمهرجانات في حين ان المصرية ، تغتنم فرصة انعقاد الجمعية التأسيسية للدستور المصري ، وتضرب عن الطعام ، على الطريقة « الغاندية » حتى النصر الاخير او الموت .. وتصمد بالفعل سبعة ايام ونيفاً ، ولا يردّها عن عزمها السلبي غير رسالة لطيفة من اللواء نجيب فيها مناصرة وشميم وعود ...
اما المرأة السورية ، فأن طمأنينتها الاولى يشوبها اليوم الشك والخوف . ماذا سيكون مآلها بعد العود الى برلمان ١٩٤٩ الذي منح المرأة جزءاً من حقها وحسب ؟ وهل ستسكت المرأة حيال هذه الرجعة الواسعة الى الوراء ام انها ستنظم صفوفها بروية وحزم لتقف على احكم وسيلة لضمانة حقها السياسي الكامل ؟
وتبدو المرأة في لبنان اوفر حظاً من شقيقاتها ، فقد سبقتهن الى نيل حقوقها كاملة ، وذاقت لذة ممارستها هذه الحقوق ... غير ان الواقع خلاف لذلك ، لان في حنجرة المرأة تتجاوب صرخات جديدة ، لقضايا ابعد اهمية من الحقوق السياسية نفسها التي ليست سوى الوسيلة لنيل الحقوق المدنية ، ذات الروابط المحكمة بحياتنا اليومية التي نحياها .
الصرخة الاولى هي المطالبة بالمساواة في الارث بين الجنسين وتعمل في سبيل ملاحقة هذا المطلب لجنة نسائية مختارة ، لن يقعد بها عن بلوغ غايتها اصوات عدانا الرجعيين ... والصرخة الثانية تتناول المطالبة بالتعويض العائلي للأمهات الموظفات بملاك الدولة ـ هذا الحق الذي ما يزال وقفاً على الرجل وحده ، لا يتمتع به من النساء إلا الارامل ... وستتابع اللجنة سيرها العنيد في هذه السبل الشائكة المحفوفة بالصعاب ، حتى تنال مطالبها كلها ، مطلباً اثر مطلب ، ولن تخاف التعرض لما يخافه الناس مهابة وتقديساً ما دامت شديدة الايمان من ان مطالبها عادلة لا زيغ فيها ولا محاباة .
ان المرأة اليوم ، في كل قطر عربي ، انّى كانت المرحلة التي وصلتها ، لهي بحاجة قصوى الى شحذ قواها المعنوية والروحية واغتنام سوانح الفرص دون تلكؤ بارد يشهره الرجل في وجهها للتدليل على تخاذلها وهزال كفاءاتها

