- يا لك من أحمق! ألا تعرف كيف تقف عندما ترى سيارة قادمة؟
- «قف، لقد كدت أدوسك وأرمي بك إلى الموت».
صرخات غاضبة ثائرة تقفز عليه من جوف الشارع، فيرتعد ويبتعد مخفوض الرأس عن العجلات...
«عجلات... سيارة ثم أخرى... صراخ... فموت... إلى ماذا ينظر هذا الرجل؟»
وعدّ الكلمات ثم فهم ما عنت، فاستدار ببطء وابتعد.. إنه يكره الضجيج والمدينة والناس، يكره السيارات والدراجات وكل ذي عجلات وحتى نفسه يكرهها! وشعر بالتعب المضني الشديد يتمشى في دمه، فاتجه صوب البحر يقوده إليه نسيمه المنعش اللطيف، وعلى الرمل وقف يتأمل الموج في طلوعه وهبوطه، في اقترابه من الشاطئ هائجاً قوياً وارتداده عنه خائراً بطيئاً.. وجرّ نفسه إلى قهوة قريبة وجلس إلى أقرب مائدة يرقب الزرقة من بعيد... واختلط عليه المدير فعاد يسمع ويرهف السمع... عجلات... سيارة ثم أخرى... صراخ... فموت...
«أين أنت؟. أين هي؟. رباه.. ماذا أفعل لأعرف..»
عجباً! إن من يسأل يجب سؤاله بجواب وهو يسأل ويجيب نفسه بنفس السؤال!
كان معها وبجانبها في سيارة تركض بها إلى العاصمة... كانت تريد أن تبتاع لها ثياباً ولبيتها الصغير أشياء... كانت تضحك وهي تسحب شعرها من يد الهواء العابث وتبتسم في وجهه وتنظر في عينيه... كانت زوجته وعروسه وكل شيء منه وله...
وأخفى عينيه بيديه... نعم كانت تضحك بمرح الطفل السعيد... كانت سعيدة مطمئنة إلى قربه وذراعه.. وتحسّس ذراعه وعاد يسمعها تهمس له:
هكذا أحب لحياتي أن تظل. عابقة بأنفاسك، جميلة بوجودك، فالتمعت في عينيه دمعة كبيرة رأتها فقالت: «ما أغلاها، إنها عصير حبك الكبير...»
ثم صرخ أحد الركاب صرخة خافتة خائفة، ودارت العجلات واصطدم شيء بشيء.. واختلط عليه الصراخ بالدوي ثم سكن الدوي واستمر الصراخ وغاب هو عن كل ما حوله...
وبقي في المستشفى أسبوعاً يستيقظ ليغيب ويغيب ليستيقظ من سبات عميق ثقيل، ثم صفا ذهنه قليلاً، فهبّ يرفع جسده الجريح ويصرخ:
«بربكم ماذا جرى لزوجتي وأين هي؟»
فقالوا: «لا تضع ثقل جسمك على يدك هكذا... إنك تعاني جروحاً خطيرة من جراء ذلك الحادث المروّع...»
فتقلصت عضلات وجهه، وبرقت عيناه ببريق الخوف الكبير وعاد يصرخ:
«ولكن زوجتي هل أصابها ضرر؟»
«فتكلم منهم الطبيب وقال وهو يحاول إعادة رأسه إلى الوسادة، تشجع وكن رجلاً. حاول أن تنسى كل شيء لتشفى قريباً...
فتملكه غضب جنوني وصفع الطبيب صفعة أذهلته، ثم ارتد إلى وسادته خائر القوى يخفي وجهه بين يديه ويبكي... يبكي دموعاً كبيرة متلاحقة وليس واحدة كبيرة فقط... وتركوه بعد أن وخزته إبرة غليظة فقاوم النوم ثم استسلم له.. وابتدأ الصراع، صراع اليقظة والسبات، اليقظة بألمها وعنفها والسبات برحمته وسكونه.. وحاول مرة ابتلاع حبوب الدواء كلها، فركضت الممرضة وجاء الطبيب مقطباً يعجب من ضعفه وصغر رجولته.. وردّ يده فلم يصفع أحداً وأدار وجهه صوب الحائط ينتظر الإبرة الغليظة لينام.. وزاره أبوها مراراً.. فبكى عندما رآه ثم بكى عندما وصف له قبرها... هي في قبر؟.. مستحيل.. إنها حية لم يقطع أنفاسها اصطدام سيارة بسيارة! وصرّ على أسنانه يقوّي في نفسه الإيمان بوجودها على قيد الحياة.. فبدأ يقاوم بعد ضعف، يقاوم مع العلاج والطبيب والداء فشفي بعد صراع وغادر المستشفى بعد أن ابتلع له ما كان معه من مال.. المال الذي كانت تريد أن تشتري به ثياباً وأشياء...