وارتدّ الى الحياة يطلب العيش ليعيش ويبحث عنها .. وعاد يبحث عن عمله بخوف ووجل ، فصافحه المدير بحرارة وتهدج صوته وهو يقول :
« عملك ينتظرك ونحن كذلك ، واني لسعيد بان اراك تستقبل حياتك من جديد ، وهذه هي الحياة ، صفحات في كتاب تطوى وتُفتح .. »
فعاد الى عمله ولكنه عاد عاجزاً عن كفايته له وقيامه به . عاد يعمل ليحيا من أجل البحث عنها وليس فقط ليعيش . اختلطت الاغلاط مع ما كان يكتب وطغى سهومه على كل ما كان يرى ، فكلمه المدير بلطف مُنبهاً ، فتندى جبينه بالعرق ووعد بأن يصلح كل غلط . وأنّى له ان يصلح والألم يملك عليه صواب تفكيره ؟ يئس من المحاولات الفاشلة وكره ان يرى نفسه معلقاً بخيط رفيع لا يقطعه المدير رحمة به .. فتحامل على نفسه ودخل على مديره يقول :
« سيدي ، لم أعد قوياً كما كنت .. ان العجز واغلاط العمل تغلبني ، فالأفضل ان ابحث لنفسي عن عمل اسهل » .
فأحنى المدير رأسه وتمتم شيئاً ، ثم رفع الى يده بظرف أخرجه من جيبه ، حدّق هو به وبنقطة عليه بيضاء ، عرف فيها دمعة كبيرة .. دمعة رجل وهدية كبيرة ..
وعاد يبحث عن عمل جديد فوجد ، عمل بائع في متجر كبير .. واجتهد حتى اعتاد ان يفهم ما يقول له المشترون ويعطيهم ما يطلبون ، معلقاً عيونه بكل حواء يستكشف فيها مفقودته .. ورأى ظهرها يوماً فركض الى حيث تقف ، وصدمته الخيبة حين رأى وجهها ، فارتد أصفر الوجه حزين النظرات يبتلع لقيات الألم من جديد ، صلبة كالحديد ..
رآها كثيراً ولكنه كان يرى شيئاً

