القهوة يعدّ ما قال من الكلمات ويفهم ،
« آه ، فنجان قهوة .. »
وشرب فنجاناً ثم آخر ودفع الثمن وخرج يمشي صوب الشاطئ .. وخيل إليه أن زرقته الصافية تنقلب إلى سواد خانق ذي ذراعين رفيعتين تمتدين إليه ، فتملكه شعور بالوحدة والانفصال عن كل حيّ متحرك ، فراح يستعيد صور أصحاب ومعارف وأقارب ، فتمر الصور أمامه هزيلة شاحبة ، تسير خلف صورتها هي ، صورتها وهي تضحك وتسحب شعرها من يد الهواء قبل أن تموت ...
لم لا يموت هو ؟ لم لا يلقي بجسده الخائر المتعب بين ذراعي هذا الأزرق الكبير ؟ لم لا يقتحم الموج ويسير إلى جوفه فيفترش الماء وينام ؟ وهل الموت سوى نوم طويل لا تعبث به أحلام الأرض ؟ لم يصمم إذ لم يكن خائفاً والخائف يعزم ويصمم ، وهو يرى في قعر البحر دنيا سكينة وهدوء ، دنيا خلوة صامتة خالية من العيون المحدّقة والشفاه المتمتمة .. ومشى مع الشاطئ على الرمل الناعم يأخذ من الحياة آخر حفنة من الهواء منها له ، ورفع نظره إلى السماء ، إلى حيث سيسير وابتسم باطمئنان ولأول مرة منذ فقدها ... نعم لم يكن خائفاً بل سعيداً يرتجف شوقاً إلى المجهول حيث هي ...
وارتد إلى الوراء فجأة وراح يحملق بشيء صامت رابض على الرمل ... إنه إنسان آخر يكلم البحر ، نعم معذب آخر ، شاب صغير جميل .. وأراد أن يهرب منه وأراد أن ينحني عليه ليعرف إذا كان حياً أم ميتاً .. وأخيراً انحنى ولمس كتفه برفق فاستدار الفتى ونظر إليه ببطء فتعانقت النظرتان نظرة يائسة تعانق أخرى ، ثم أحنى الفتى رأسه وأغمض عينيه وخرجت الدمعة من بين جفونه صغيرة خائرة ، كسجين يخرج من

