قالت لي جدتي ، والأسى يغمر وجهها :
« يا كمال حظنا ، إن أخاك يهيء نفسه ليكون موسيقياً آلاتياً ، لا يفقه من دنياه سوى الألحان والأنغام ، فيا رحمة الله على جدك ، وعلى آماله العريضة في مستقبل حفيده ، إذ كان يرجو أن يكون طبيباً كبيراً ، أو محامياً قديراً ، أو قائداً عظيماً .
قلت لها : رحماك يا جدتي بأخي ، فهو في رونق آماله ، وفي ميعة صباه ، تموج مشاعره بالرفعة ، ويتلاعب السمو بإحساسه ، وهو قد أحب الموسيقى تلك التي لم تطرق يوماً سمعك ، ولم ينف إليها ميلك ، فجهلتها الجهل الحرام .
فأجابتني والهزء ملء نبراتها : « وما عساها تكون موسيقاه هذه ؟ »
قلت لها : يا جدتي ، إني لست أدري بها منك ، ففي معاهد العالم لم أجد لها منفذاً ، والقائمون على أمر عقولنا صقلوها بالكتب ، والمشرفون على أمر نفوسنا أترعوها بالدين ، والساهرون على أمر صحتنا قوموها بالتغذية ، ولكنها الأذواق الفنية في أعماقنا ، ظلت أسيرة جهلنا ، فقرأنا الفلسفة والأدب ، وحاولنا فهم القرآن والإنجيل ، وعرفنا الكثير من القواعد الصحية ، ولكننا لا نزال نهفو إلى سماع التقاسيم ، وترديد الآهات وراء كل صوت مج ذبيح ... ولكن الموسيقى التي يودها أخي مهنة للحياة ، هي عالم آخر يبعد عن عالمنا ، ودنيا من الفكر والانطلاق تنفر من دنيانا .
فأدارت برأسها جانباً وقالت : وهل تصلح هذه الموسيقى أن تكون مهنة أخيك ، أم هل ترضين أن يقال فيك غداً : هذه أخت الآلاتي ، ما لك أجننت ؟
قلت : يا جدتي ، أنت محقة فيا ترين ، فأنا لا أرضى أن يقال في إني أخت الآلاتي ، ما دام الآلاتي صورة مسوخة عن الموسيقى في بلاد الأرض ولكن في سعي أخي انعتاق من الأسس المتعارف عليها لدى فنانينا ، وإقدام جريء نحو مقاييس غدت قواعد مطلقة للفن والجمال معاً .
فأي عار يلحق من كان أخوه موسيقيا ، وهناك في قلب المانيا تنتصب تماثيل الموسيقيين بأعظم مدنها ، وفي بلاد الروس يفخر المواطن أن كان من لدنه عباقرة الموسيقى ، وفي اميركا يجهدون في خلق الروح الراعية التي تتقبل النتاج العالمي ، لتسعى هي نفسها في خلق فني جديد .. وفي ايطاليا مهد قديم يغفو على الألحان من أقدم العصور ..
فانتفضت جدتي تقول : ولكننا نحن هنا ، في الشرق يا ابنتي وفي أرض العرب فمالك تتيهين في مجاهل الأرض ؟ ثم تأتين بأمثلة من أمم كتلك الأمم ؟ هاتي أخبريني من يقبل في يومه على الموسيقى - حتى بين مثقفينا - ويسعى إليها كحاجة روحية لا مفر منها ، بل عددي لي ذاك النذر المتيقظ من الناس ممن يستسيغها .
قلت : يا جدتي إن ما نراه في يومنا ، ليفتح قلوبنا بالبشر في غدنا ، وإن مقاييسنا في الفكر والأخلاق ، تطلع اليوم بنور جديد لم نكن نعرفه فما بالك بمقياس الفن وهو أكثر طلاوة ، يستجيب غداً لنداء الفجر في النهضة المقبلة . فنحن لم نقم موسيقانا على قواعد العلم ، ولم نثبت أصولها بالبحث والتنقيب ، وليس لنا تاريخ موسيقي يسرد سيرة ألحاننا الأولى ، إنما درجنا على ما تلاعبت به أخيلة ملحنة ، حتى كونا لنا ما نحسبه « موسيقى » لا ترتفع كثيراً عن مستوى غنائنا الذي لا يثير في أرواحنا هزة انطلاق واحدة .
ولكن جدتي تأففت وقالت : أهكذا تتناسين جهودنا نحو أخيك فلا تعترضين أن يمضي في دراسة الموسيقى ببلاد الغرب سنين طوالا ، ثم يعود بعدها بما لن يفي لأحد أجره ؟ !
قلت يا جدتي : ليت لي من حكمتك ما يريني الأمور كما ترين ، ولكني أستحلفك بحكمتك نفسها أن تخبريني كيف يطلب الناس من الطبيب أن ينال شهادة في الطب ، قبل أن يمارس مهنته في الأجسام العليلة ، ولا يبالون أن يطلبوا من الموسيقي شهادة في فنه ، تخوله أن يتلاعب في خلجات قلوبهم ، وفي أدق معاني نفوسهم .
وبالأمس تردد صوت مصطفى كمال في تركيا ، قائلاً بحكمة لم ينطقها بأحكامه السياسية كلها : « أعطوني موسيقياً ، أبدل به وجه الشرق . »
فلماذا لا أدعو الله صادقة ، أن يبعث لنا بذاك المنتظر !
وإذا بجدتي تقول : رأفة بنا يا رب ! لا تجعل ذاك الموسيقي ابننا ! .