
جاءتنا هذه الرسالة من مدة ، وفيها ما فيها من حيرة وتساؤل حول موضوع نفسي دقيق فوجدنا من الخير تحويلها الى الدكتور جورج حنا الطبيب النسوي ، والعالم الخبير بهذه الامور ليجيب القارئة الكريمة على اسئلتها ... وها نحن ندرج فيما يلي الرسالة وجوابها ... ونشكر الدكتور جورج حنا لتلطفه بالاجابة ...
الرسالة :
سيدتي :
ترددت كثيراً قبل أن أكتب إليك ، بمعنى حياء طبيعي ولكني ، بعد أن أيقنت وجوب ذلك ، تغلبت على كل حياء ، وها أنا أكتب إليك :
منذ يومين ، رأيت صديقتي الحبيبة حزينة ، فسألتها ما بها ، وإذا بها ، بعد تردد ، تقص عليّ خبراً أزعجني قالت صديقتي : «تعرفين و... رفيقتنا المشتركة في الصف ؟ إنها مصابة بمرض .. لا أدري كيف أدعوه ، والخلاصة أنها تحب الفتيات ، وقد احبتني . أما أنا ، فلم أكن أعرف شيئاً عن شذوذها ، فظننت أنها تحب رفقتي وصداقتي ، فسايرتها في ذلك ورافقتها مدة حتى كادت تصبح صديقتي . ولكن أتاني الآن من مصدر موثوق لا مجال للشك به أنها كما اخبرتك سابقاً . فأنا الآن حائرة : هل أشمئز منها فأنفرد وابتعد ؟ هل أشفق عليها أو أخجل عنها ، او احتقرها ؟ بالله عليك ساعديني في حل هذا اللغز .»
فوعدتها بذلك ولكنني رأيتني عاجزة عن ذلك فكتبت لك راجية ان تخبريني عن هذا الشذوذ الذي ظننت أنه لا يوجد إلا في الكتب : هل هو مرض ، وما منشأه ، وهل المصابة به نصف رجل ، واخيراً كيف يجب ان تعامل صديقتي رفيقتها .. وهل هناك أمل في شفاء و... منه ؟
ونحن يا سيدتي في صف عال ، أي شابات . ارجوك يا سيدتي ان تشرحي على صفحات المجلة «صوت المرأة» ما يحيرني . إنك بذلك تسدين إلينا خدمة لا تنسى .
ولك شكري الجزيل
لبنى
جواب الدكتور جورج حنا :
سيدتي :
الشذوذ الجنسي مرض موجود بالفعل وهو مرض نفساني واجتماعي أكثر منه عضوي .
سببه الأهم ، ولكن ليس الوحيد كما سيجيء ، هو الكبت الجنسي .
ان في الانسان غريزة جنسية لا مجال لانكارها . وهذه الغريزة تتطلب الارتواء . وهذا يحصل من تجاذب الغريزة بين الجنسين الذكر والانثى حتى ولو كان التجاذب جزئياً .
والتجاذب في الشؤون الجنسية شأنه شأن التجاذب في الظواهر الكهربائية ، اذا صح التشبيه ، فهو يحصل طبيعياً بين طرفين متعاكسين احدهما ايجابي والثاني سلبي . فاذا حيل دون هذا التجاذب العكسي الطبيعي بالكبت ، وعندما يكون الانسان في حالة صحية لا يعتورها خلل ما ، فقد تثور هذه الغريزة وتصاب بالشذوذ في مختلف مظاهره ، التي احداها استراق الارتواء عن طريق العلاقة الجنسية بين رجل ورجل او امرأة وامرأة .
وما يجدر الاشارة اليه ، وهو يثبت النظرية الآنفة الذكر ان هذا النوع من الشذوذ الجنسي ، اكثر ما يستفحل في الاوساط التي يتفاقم فيها الكبت ، فهو يكثر عند الرجال الذين يعيشون بعيدين عن الاوساط النسائية كالجنود مثلاً . واذا سئلت عن سبب تفشيه في بعض الاقطار الاوروبية على الرغم من وجود المعاشرة الجنسية فيها ، فأجيب ان ذلك متأت عن استبعاد هذه المعاشرة اثناء الحروب المتكررة التي تخوضها دول الاقطار الغربية ، مما يمكن العادة في الجنود فيحملونها معهم الى مجتمعاتهم ويلقحونها بها . اما تفاقمها في بعض الاقطار الشرقية التي لم تقم فيها حروب فمرجعه ايضاً استبعاد المعاشرة بين الجنسين لاعتبارات دينية وتقاليدية وما شاكل ذلك .
وليس من سبب اهم للشذوذ الجنسي عند المرأة من هذا السبب واعني به الكبت الذي تفرضه عليها اعتبارات اجتماعية وتقاليدية وتحاول لجم ما يستحيل لجمه ، وهي الطبيعة الجنسية التي لا تختلف في المرأة عما هي في الرجل ، اذ تثور الغريزة عندئذ على غير هدى ويتجاذبها الشذوذ .
وفي مجال اثبات هذه النظرية ، يجدر الملاحظة الى ان الشذوذ الجنسي غير موجود قطعاً في عالم الحيوان ، وذلك لان الحيوان لا يقع تحت كبت من هذا النوع .
على ان هناك حالات من الشذوذ الجنسي ليس مصدرها الكبت . وهذه الحالات هي احدى شذوذ الشذوذ . وهي