سنوات طويلة وانا أخشى درجي هذا ، سنوات مرت بعد ان اغلقته لآخر مرة ، سنوات طويلة وانا اتحاشى فتحه ورؤية ما بداخله .
البارحة ، البارحة فقط شعرت برغبة قوية ملحة الى فتحه ، للتخلص مما بداخله فقد عفا الزمن عما مضى ! لقد نسيت اخيراً ، لقد شُفيت ، لقد برئت منك ومن الذكريات .
لم اعد ارهفُ السمع اذا ما ذكر احد اسمك ، لم اعد ابتعد عن الاماكن التي ارتدناها معاً ، لم يعد قلبي يقفز بصدري عند سماع حديث شبيه بصوتك . لقد انتهى كل شيء فعفا الزمن وانتهى ما كان بيننا .
وشعرت بنوع من الراحة ! شعرت بنوع من الفراغ اللذيذ ، بنوع من التراخي بعد طول الشد ، بنوع من الاغفاء بعد طول التيقظ ! شعرت بالتحرر من عبودية الذكريات .
وبيد واثقة اقتربت اليوم من الدرج ففتحته ، وبعين جامدة رأيت ما بداخله فجعلت اقلب ما به حتى وصلت الى العلبة ... علبة الذكريات . غير ان يدي لم ترتعش ولم يسارع تنفسي ولم يضطرب ! لقد برئت .
سأنظف درجي من بقاياك كما نظفت قلبي قبلاً .
ها هي رسائلك الاولى ! ما اسخفني لاحتفاظي بها ! ليست إلا كلمات معدودات : « كم هو مضجر محاضر الليلة ! » اتذكر ؟ كنا نستمع الى محاضرة عن هيجل وكنت جالساً قربي فلمحتني انثاءب ثم كتبت لي هذه الجملة : ما كان اغباني حتى احتفظت بها .
وهذا منديل لك ! كنت ابكي وانا ارى حياة ماري انطوانيت على الشاشة وابتل منديلي فناولتني منديلك ! بالله كم كانت صداقتنا بريئة !
وهذا زر ! منك حتماً ! ربما من قميصك ، ولكن كيف بقي عندي ؟ ولم احتفظت به ؟ كان منك وكان هذا يكفيني .
وها هو ديوان « انت وانا » لبول جيرالدي ! انك اعطيتني اياه قائلاً انه لتحبيبي المطالعة بالفرنسية ! يا ماكر ! اكان هذا قصدك حقاً ؟
ما بالي احتفظ بغلاف لاصبع شوكولا « باكد » ؟ اكنت تحبها ؟ اين اكلنا هذا الاصبع حتى احتفظت بهذا الغلاف الباهت اللون ؟
وهذه مطواة من صنع جزين ... قلائل هم الذين اشتروا منها اذ ذاك . لقد تركتها لي يوم سفرك لقضاء العطلة خارج بيروت ، مع ورقة صغيرة كتبت عليها « لتسهيل فتح رسائلي العديدة مدة غيابي ! حذار من استعمال اصابعك لئلا يخدشها المظروف . » كم فتحت بها من الرسائل الزرقاء الذاوية اللون ! لقد فعل بها الزمن ما فعل بذاكرتي فاصبحت باهتة جامدة .
اتذكر قلم الحبر هذا ؟ استلمته منك مع رزمة اوراق صفراء كتبت على الاولى منها : « لم يعد لك من عذر لعدم اجابة رسائلي ! » اتدري ؟ لم استعمل هذا القلم إلا في الكتابة اليك فقط !
وهاته زجاجة عطر « اني اعود ! » شبه فارغة ! انها العطر الوحيد الذي كنت استعمله اذ ذاك ! وهذه الزجاجة هدية منك يوم عدت من عطلتك ! كم شعرت بالحنين اليك وكم التفت حولي لاراك كلما شممت هذا العطر ! كان جوّنا معاً !
وهاتان بطاقتان لحضور حفلة موسيقية في الوست هول بالجامعة الاميركية ! اذكر ثورتك لاني اشتريتها وكيف رفضت الذهاب فجلسنا صامتين بغضب الخصام ! يا لكبرياء الرجل وغروره عندك ! واخيراً ضحكت من نفسك لقدرتك هذه وقمنا لنذهب ! كنت اخبرك بأني انا ايضاً اود المساهمة في سعادتنا بكوننا معاً ! لست ادري ما اعتراني اذ ذاك ولكنني ، عند وصولنا الجامعة ، لم اعد اشعر بتلك الرغبة في حضور الحفلة ! اتذكر كم ضحكنا ونحن نجلس على مقعد خشبي تحت شجرة قديمة نشاهد الناس مسرعين لئلا تفوتهم الحفلة ؟
وهذه زهرة يابسة ! كنت اسير معك في الحديقة فقطفتها لي ، وجعلت اناملي تعبث بها وانت تبوح لي بحبك ! ولما عدت الى غرفتي وضعتها ضمن كتاب « انت وانا » حتى جفّت ! ها هي اوراقها تتساقط الآن كما تساقطت السنوات التي فصلتني عن الذكرى ! ما بال يدي ترتعش ؟ رباه ! ماذا يعتريني الآن ؟ لقد عفا الزمن عما مضى ! لقد انتهى كل شيء !

