وانت يا سيدي هل جئته مستنجداً ايضاً »
ودب في نفسه الخوف فصمت ، الخوف الذي كان في نفسه صامتاً نائماً . ولكن الخوف من اي مخيف ؟ من الحياة أم من الموت ؟ كلا ، لا من تلك ولا من ذاك ، بل من هذا الازرق الجبار منجد الضعفاء جاذب المساكين ! نعم ، الضعفاء امثاله والمساكين امثال هذا اللاجيء المحروم !
وغضب ولم يدر لم غضب ولم صرخ بالفتى وهو يرفعه من كتفيه عن الرمال :
« قم ، انه ليس بالمنجد الرحيم ، إن قعره لأبرد من غرفتك وأظلم من قلبي ، نحن لا نريد ان ننتهي الى قعر بل الى فضاء ، قم لبيحث كلانا ، انت عن بقية من شجاعة وأنا عن بقية من رجولة ... اعطني يدك .. أترى ؟ انها ثابتة لا ترتجف ..
فحدّق فيه الفتى وتمتم :
« اتعني ، اتعني اني ... »
- نعم ، ستبقى معي وسأجد لك عملاً وسنكون معاً .. »
واحس بالدم ينبثق من جرح قلبه فائراً حاراً ، وهو يرى الأمل يفتح عينيه في الوجه الذابل المحملق فيه ... لقد خاط له الطبيب جراح جسده وعليه ان يخيط جرح قلبه ، جرحه الكبير ، يخيط متين من عون الله والايمان ..سيستنجد بيد الله الكبيرة ، وهي اكبر من كل كبير ...
وخيّل اليه ان اقدامها تطأ الرمل معه تبتعد به وبالفتى عن المدير ، اقدامها اللطيفة الخفيفة ، الذائبة في التراب تحت الارض ، فصرخت نفسه فيه :
« أرأيت أين هي ؟ انها معك تمشي بقربك وتضحك لك ، سر يا رجل ، انها مع الله ومعك ... » .

