وقفت في الشهر الفائت الشاعرة العراقية الآنسة نازك الملائكة، تحلل مجتمعنا العربي، فرمته بالهرم، لجموده ولتوقفه عن النموّ - اول صفات المجتمع الفتي الذي يتطلع الى حياة فضلى ...
انني، إذ تتبعت تحليل المحاضرة الفلسفي النفسي بإعجاب كبير، معترفة لها بعمق التفكير وسعة الاطلاع، برزت في عيني ثمة مزية واحدة من مزاياها الحميدة المتعددة، الا وهي جرأتها الفائقة التي لم نألفها على ذلك النحو الصريح في امثال هذه المعالجات.
اصغيت الى الآنسة نازك الملائكة، تكيل التهم في وجه مجتمعنا، متحدية العناصر الرجعية المتعصبة، دون ان ترفّ لها عين، او يراود اعصابها وجل!.. جاءت بنظريات اجتماعية جديدة لا بد لاشادتها من هدم الكثير من نظمنا السارية والقضاء على جملة تقاليدنا التي تحجّرت مع تحجرها عقولنا وافكارنا، فقعدنا عن الخلق والانطلاق، وابتلينا «بالتجزئة» الاجتماعية التي لا يمكن ان تسوقنا الى أي خير يرتجى.
لكم بحثت بين نسائنا - حتى وبين رجالنا - عن جرأة نيّرة كجرأة نازك الملائكة، اهل لان تحمل المشعل، فلم اجد لها اثراً، ذلك اننا ألفنا الاستكانة والخنوع، وحال دون ثورتنا على الوضع أو تخطينا اياه، جبن موروث، ام لعله خدَر مكين سرى في دمائنا عبر اجيال طوال، فتعوّدنا عليه وأحببناه! لذا لم نعجب عندما قوبلت جرأة الآنسة الملائكة، من قبل بعضهم، بالشدّة والدهشة، كأنما اتت منكراً! ولولا شفاعة اخلاصها الجلي، وعميق اطلاعها، ولولا ارتياحهم الى حسن نيتها، لما ردّهم شيء عن محاربتها واعلان نقمتهم المكبوتة!
لهذا اقول: ان اكثر ما اثار اعجابي بالمحاضرة، فوق شعرها الرفيع وتحليلها العلمي الدقيق، هو جرأتها التي يفتقد اليها مجتمعنا المريض اشدّ الافتقاد، واخلاصها في الاداء الذي يسدّ الطريق دون الرجعيين المتزمتين ... وجنوحها الطبيعي الى البساطة في شتى مظاهرها ...
ان نازك الملائكة اليوم ذروة في نساء العرب، انها امينة من نفسها ومن قولها ... تسير كاملة العدة، واثقة نحو هدف، لم يَعُد بعيداً ...

