أيها المربون رفقاً بهذه النفوس المفتحة لتلقي الخير ، والحب ، والجمال ، فلعل كلمة منكم أو إشارة أو غمزة تشيع السرور أبداً في قرارة هذه النفوس ، وتفتح أبواب الأمل فالنهوض في الغد .
ولعل كلمة كذلك أو إشارة أو غمزة تلقي الشك فيها - ويا ويل من يقتحم الشك نفسه - وعندئذ لا تألوا كيف تحول المواهب الى ركود ولا كيف أعطبت تلك العزائم الشماء ، فإن فعلتم ، فأنكم إذن لجاهلون :
•
لقد غدت في العاشرة أو تكاد ، صبية ملء إرادتها المرح ، توشك نفسها أن تطفر من حركاتها ، لعوب ما استطاعت الى ذلك سبيلاً ، دؤوب لا تمل من تركيب المقالب في كل سانحة ، حتى غدونا لا نصدقها في شيء دون أن نزن ونقدر ونستدرج ، ونحتال ، ومع كل حذرنا هذا لا بد لنا من أن نقع ونسلم في بعض الأحيان ، وعندئذ تصدح لنا بضحكتها الفضية الرقراقة بينما تمتلئ عيناها الخضراوان بدموع لا أدري ما هي بالضبط ؛
وهي الى هذا رهيفة الحس تنتقم لكرامتها انتقام الجندي الياباني لوطنه ، فإما أن يبلو بلاء لا مثيل له ليرد حقه المسلوب ، أو ليذود عن نفسه ذل الاستعباد ، وأما أن ينتحر دون أي تردد أو وجل !
ولقد غدت تظهر بين الناس بمظهر جدي شأن الفتيات الشابات . ولكنها ما تزال خجولا بعض الشيء ، تحترم الكبار احتراماً ملحوظاً وتداري الصغار وتلاطفهم ، ملاطفة من هم دونها سناً ، للدائها ولمعلماتها أخلاص من يجد في الاخلاص واجباً لا سبيل الى مسّ قدسيته .
أما اذا تحدثت مع الأغراب أو مع من يكبرونها في السن فبصوت خفيف


ولهجة رصينة توحيان التقدير والثقة .
كان هذا بعض شأنها قبل أن تنقلها من مدرستها الأولى الى مدرسه جديدة حتم عليها أن تدخلها ولما تزل لها في تلك ذكريات وصديقات ، ومعلمات مايزلن في السويداء من قلبها الفتي الوفي .
ولكنها لم تكد تمضي بضعة أيام في مدرستها هذه حتى جاءت اليّ مساء يوم تسألني وفي لهجتها عتاب وتحدٍ ؛ أمي .. أولا تعرفين الآنسة هيفاء ؟
قلت : بلى فلقد كنا في ما مضى زميلتين في مدرسة واحدة .
قالت : اذن لماذا لم تتحدثي لي عنها مرة ؟
قلت : لم تأت مناسبة لأذكرها لك . وقست نظراتها ، وقطبت حاجبيها وبدا التهكم في لهجتها اذ أجابت - ولكن الآنسة هيفاء يا أمي لا تحتاج الى مناسبات
لتذكر ، لأنها كما يبدو لي ليست من الشخصيات التي تنسى بسرعة ويُسر ..
قلت ، وأنا أحاول أن أكم ابتسامة كبيرة - وبماذا تمتاز عن سواها ؟
فأجابت بحماس متدفق مسعور :
- انها تمتاز بكل شيء ياماما .. بلهجتها الناعمة ، بطريقة لفظها ، بذلك الاحمرار الذي يكسو وجهها اذا ما استاءت من شيء ، بهيكلها الصغير الممتاز ، بتلك الابتسامة التي لا تفارق شفتيها مهما جهدت ، بنظارتيها ، بلباسها ، بكل شيء فيها على حدة .
إنها حلوه ، حلوة ، وأني أحبها .
قلت وقد نفذ صبري من ثرثرتها المحببة ؛ المهم من هذا كله أن تدرسي لها الدروس التي تطلبها منك ، وبعد ذلك أحبيها مهما وكيف شئت ...
وجاءت بعد بضعة ايام لتقول لي وقد أضاء وجهها إشراق من السعادة طاغ - أماه أتعلمين أن الآنسة هيفاء لا تلبس إلا الأسود من الثياب ؟
قلت : أجل فهي حزينة على أبويها .
ولكن لماذا مات أبواها ، قالت ؟
قلت ، كما مات ويموت آباء الناس جميعاً .
قالت مستدركة ، ولكنها هي ما تزال صغيرة .
قلت وهناك من هم أصغر منها سناً يفقدون ليس أبويهم وحسب بل ذويهم جميعاً بين ليلة وضحاها . ورأيتها تبتلع غصة
