في حلقها ، فأغضيت ، ثم سارت ولكن كمن يسير الى هدف غير معين ، وجلست الى طاولتها ، ولكن هل درست حقاً ؟ لقد خيل الي انها لم تفعل ، ذلك لانها كانت تسألني بين الفينة والفينة اسئلة ما ظننت قط ان افكارها تستوعبها بمثل هذا السن .
وفي تلك الليلة سمعت من صغيرتي اللعوب الهوجاء ، سمعت الفلسفة تنطق بأصغريها ، وبعقلها ...
ومرت ايام كانت ملأى بالأحاديث عن المعلمة . كنت ابذل فيها جهد المربي لأنأى بفتاتي عن التفكير بمعلمتها المفضلة ، وغدوت اخشى عليها الهوس خوفاً من تضييع اوقات فراغها بالثرثرة بدلاً من مذاكرة الدروس .
وجاءت يوماً تشكو الما في عينيها وغشاء عليها وحرقاناً عند التحديق ، فاضطربت لذلك مع ابيها وذهبت بها للتو الى اخصائي في العيون ، وهناك بعد ان سألها الطبيب ما لا بد له عن سؤاله ادخلها غرفة الفحص المظلمة ، ووضع امامها على بعد امتار لوحة كتب عليها حرف الـ M معكوساً وصحيحاً والى يمين والى شمال ، وفي سطور تتفاوت كبيراً وصغيراً ، ثم بدأ يسألها عن تركيب كل حرف على حدة حتى اذا انتهى ، واظن ان انفاسي كادت تنتهي بانتهائه ، اذا بالحروف كلها لم تستثني منها حرفاً واحداً مقلوبة بنظام منسجم فما هو الى فوق اجابت انها تراه الى تحت وما هو عن يمين غدا عندها الى شمال ، وهلم جرا !
ورأيت الطبيب يحدق في عينيها من وراء عدسته الكهربائية ، ثم اضاء النور وهو يربت على كتفها ضاحكاً ويقول :
- والآن ... قولي لي لماذا تريدين تخبئة هاتين العينين يا حلوه ، هل هنالك
في المدرسة رفيقة لك تعجبك بنظارتيها فاردت ان تتمثلي بها !
وبنبرة فيها فيض من الدموع ، وبأستسلام تمشى في الضحكة الصاخبة اجابت الطبيب - بل هي المعلمة - انها الآنسة هيفاء وليس سواها ...
وفهم الطبيب الحيلة المحبكة ، واعتبر ذلك منها ذكاء نادراً . فلم يتقاض رسم المعاينة !! .
وفهم ابوها ان ابنته لا تريد ان تقلد إلا افراداً معينين من الناس فصفح عن الكذبة البيضاء ...
وفهمت انا - ويا للأسف - ان على عاتق المربي ترسو احمال ثقال ، اخفها
هذا التشبه الذي يستحكم في التلميذ دون ان يلقي اليه وعيه او يجهد به ذاكرته ، فسكت على مضض ...
ومرت اسابيع كانت حافلة بالتحدث عن المعلمة التي ترى ابنتي في كل حركة من حركاتها ، او لفتة من لفتاتها ، وابتسامة ، او نأمة ، او غضبة ، ما يجب التعليق عليه وكانت تؤوله تأويلاً حسناً ، بل ترى فيه الخير والجمال والسمو في الخلق الكريم .
وحلت ايام الأمتحانات وسهرت نسيمة - مع من سهر - ليالي وليالي ، سيما انها تريد تعويض ما فاتها في الفصل الاول وتكون عند حسن ظن المديرة بها ،

