ولتقنعني أنا بأنها تستطيع أن تطالع ليلاً بعد الدرس ما شاءت وما استطاعت السهر والمجالدة .
وحان اليوم الموعود ، وجاء دور نسيمة لتؤدي امتحانها الشفهي ، ووقفت حيال طاولة المعلمة هيفاء ، وسحبت ورقة من بين الأوراق ، وأدت فحصها على خير ما كانت ترجو ، ولكن ما كادت تخطو خطوة لترجع إلى مكانها ، حتى ارتفع صوت من بين التلميذات يقول للمعلمة : إن نسيمة قد سحبت ورقة قبل تلك ، وإنها أرجعتها للتو واستبدلتها بالأخرى !
وعلا وجه المعلمة الاحمرار ، وما خفي على الابنة النبيهة أن معلمتها قد صدقت رفيقتها للوهلة الأولى ، ولكنها شدهت ! واختلط عليها الأمر حينما أعادت لها المعلمة الفحص على الرغم من أنها دفعت عنها التهمة الملفقة بإخلاص وإباء ..
وأدت نسيمة الامتحان خيراً من المرة الأولى ولكن الشيء الذي لم تؤده معه ، هو الاحترام الذي كانت تكنه في سويداء قلبها الساذج !
واطمأنت كذلك إلى النتيجة ما دامت تلك النتيجة لم ترو من رفيقتها غليلاً ولكن الشيء الذي لم تطمئن إليه هي تلك الثقة التي فقدتها بمجرد أن عصفت بها بعض الرياح العابرة .
لقد تحطم ويا للأسف - الصنم الذي عبدته ابنتي زمناً ، في قرارة فؤادها وأحرقت له البخور قائمة جاثية .
بيد أن الذي لم يتحطم فيها هي تلك الكبرياء العتية التي تزداد يوماً فيوماً كلما نالت منها التجارب وفقدت قيمة الناس عندها .
ورأيتها تدخل يومذاك إلى المنزل وكأنها تجر قدميها جراً فلا طفرة فرح بلقيا
أخيها الطفل ، ولا « مقلب » جديد يدخل المرح معها إلى البيت ، ولا قفزات ، ولا ترقرق ضحكات ولا قبلات .
وطلبت حبة الأسبرو لتهدي الألم الشديد في رأسها ، ولما جئتها بالحبة رفعت إليّ وجهها فإذا بالعينين دموع ... وأية دموع .
وأرحت رأسها الحبيب على صدري أنهنه العبرات الغوالي ، فإذا بها تجهش بالبكاء ، وبشبه ثورة عصبية راحت
تتشبث بي وتقول لي بلهجة فيها توسل الحائب وإباء المغلوب : سوف لا أحب سواك يا أمي صدقيني لن أحب أحداً إلاك لأن كل الناس أشرار ، أجل كلهم ما عداك أنت وحدك ، أنت وحدك .
ومنذ ذلك اليوم لم تأتِ نسيمة مرة على ذكر معلمتها المفضلة ..
ترى هل حقاً نفضت من قلبها آخر ذرة من ذلك الحب ، أم أنها احتفظت في إحدى زواياه بصورة شاحبة للذكرى ؟؟
الوان شن يو