ليس بين أدباء الشرق العربي من مهدت له الظروف أن ينال الشهرة التي نالها جبران في حياته وبعد وفاته .
على أن آثار جبران لم تنل من اهتمام الأدباء والباحثين مقداراً يوازي شهرة صاحبها . فكتبه الإنكليزية لم تحظ بعد بمن يترجمها إلى العربية ترجمة صحيحة . ولم يقيض لجبران من يدرس آثاره دراسة نقدية عميقة جديرة بالنشر .
قالوا أن جبران احتذى « ولم بلايك » الإنكليزي في شعره ورسومه . ولم يتصد أحد لمناقشة هذا القول مظهراً صحته أو خطأه . وسمعت مرة الأديب بشر فارس يذكر كتاب « النبي » في محاضرة له فيقول أنه يضع صاحبه في مصاف الأدباء العالميين لولا أن فيه تقليداً ظاهراً لكتاب نيتشه الذي عنوانه « هكذا تكلم زردشت » .
لقد أشار المحاضر إلى هذا التقليد كأمر مسلم به . فهل تراه رجع إلى كتابي نيتشه وجبران واتضح له تقليد الثاني للأول ، أم أنه استند إلى ما سمعه في الموضوع من بعض الذين لم يدرسوا الموضوع ؟
هذا ما أحاول الجواب عليه في البحث التالي :
نيتشه حلقة في سلسلة الفلاسفة والمفكرين الذين ظهروا في أوروبا الغربية في خلال القرن التاسع عشر . ولد في ألمانيا وتنقل منها إلى إيطاليا وسويسرا . ومنذ نعومة أظفاره أخذ يحلم بالنظريات التي بنى عليها كتاباته فيما بعد . وأهمها بل خلاصتها جميعاً نظرية السوبرمان .
محور هذه النظرية أن الأمم تعظم بإفرادها لا بمجموعها . ولهذا يعد الشعب اليوناني أعظم شعوب التاريخ لأنه استطاع أن ينجب أكبر عدد من العباقرة . فواجب البشر إذن أن يسعوا لخلق العباقرة المتفوقين .
« أريدكم جسوراً يعبر عليها إلى السوبرمان . إن السوبرمان – الإنسان المتفوق – هدف البشرية . يجب على الإنسان أن يفوق الإنسان . ماذا عملتم في سبيل التفوق على ذواتكم ؟ » .
نظر نيتشه إلى الناس حوله فرآهم جميعاً متماثلين في الضعف والحقارة ، متشابهين كحبات الرمال ، فأنكر جمودهم وصاح
بهم : جميع الكائنات خلقت أشياء أرفع منها وأنتم هل تريدون أن تعاكسوا التيار وتعودوا بالحياة إلى الوراء ؟ ما هو القرد في نظر الإنسان ، موضوع سخرية واحتقار . هكذا الإنسان الحالي بالنسبة إلى السوبرمان موضوع سخرية واحتقار .
ولكن كيف يتم خلق السوبرمان ؟
الوسيلة في نظر نيتشه واضحة ممكنة . وهي أن ينبذ الناس مقاييسهم وتقاليدهم الراهنة . أن ينكروا المذاهب التي أورثتهم الضعف والذل والحقارة وأن يعتمدوا مقاييس جديدة في العيش والتفكير .
هم ينادون بالرحمة والشفقة . لكن نيتشه يثبت لهم أن الشفقة عقيمة والإحسان أذلال . وطلاب الرحمة قوم ضعفاء متسكعون . فهو يريدهم أقوياء يترفعون عن استئارة الشفقة .
هم ينادون بمساواة البشر . لكن نيتشه ينكر المساواة وينادي بأن البشر متفاوتون في قيمهم . ويجب أن يكونوا متفاوتين ليخرج منهم المتفوق الذي لا مثيل له .
هم يعيشون عيشة تصنع وزيف . بعيدين عن الطبيعة ، بعيدين عن الأرض ، محتقرين الجسد ، متطلعين إلى ما وراء الحياة . وهو يريد منهم أن يعودوا إلى الأرض مخلصين لها . أن يحبوا الحياة والطبيعة والقوة : « استحلفكم يا أخوتي أن تخلصوا للأرض ولا تصدقوا من يعلمكم بالأفراح السماوية » .
ولا يكتفي بهدم القديم بل هو يعدد الفضائل التي يجب تكوينها في الشعب الساعي نحو الهدف الأعلى .
أن الصفة العامة لأسلاف السوبرمان هي أولاً العافية المتدفقة ، صحة النفس والجسد ، قوة خارقة ، بدنية وعقلية . تصحبها قوة إرادة عجيبة ، تمكن صاحبها من الإبداع والأتيان بأعظم الأعمال . تمكنه من تحدي الموت نفسه ،
يقول زردشت : « أكره الموت الذي يأتي كالسارق ، الموت الذي أريده هو الذي يأتي حين أريد » .
إرادة القوة محور المذهب السوبرماني وعليها ترتكز جميع الصفات الممتازة التي يتحلى بها المتفوقون .
هذه لمحة خاطفة في كتاب « هكذا تكلم زردشت » الذي يقع في نحو أربعمئة صفحة متراصة الحروف . فأين يقع جبران من هذا الكتاب ؟
أن ظروف جبران تختلف اختلافاً بيناً عن ظروف نيتشه فهو لم يعش في وسط فلسفي كالذي أحاط بزميله الألماني . لكنه مر في حياته بآلام واختبارات أحدثت تطوراً مستمراً في نفسيته وفي كتاباته .

