بدأ عهده الكتابي شاعراً غنائياً يخاطب الليل والريح والنفس وينشد المطر والموج والزهر والجمال. لكن كتاباته الاولى، رغم رقتها، لا تخلو من ثورة ونقمة على التقليد، نجد اثرهما في «الاجنحة المتكسرة» وبعض مقالات «دمعة وابتسامة» وذلك قبل ان يعرف نيتشه. ثم نراه بعد مطالعته «هكذا تكلم زردشت»، يصدر كتاب «العواصف» وهو مجموعة مقالات يظهر فيها تأثير فيلسوف القوة. يصدرها بمقالة «حفار القبور» الذي يدفن جثث الناس المكردسة أي خرافاتهم واضاليلهم كما فعل زردشت حين دفن جثة البهلوان الصريع :
وفي «الاضراس المسوسة» يحمل على الشفقة كحملة نيتشه عليها ويخاطب الناس متهكماً : «كنت اشفق على ضعفكم يا بني امي والشفقة تكثر الضعفاء وتنمي عدد المتوانين ولا تجدي الحياة شيئاً. واليوم صرت ارى ضعفكم فترتعش نفسي اشمئزازاً وتنقبض ازدراء.»
على ان جبران يقف عند حد الثورة والهدم ولا يضع مذهبا خاصاً في البناء كما فعل نيتشه. لهذا نراه في مؤلفاته الباقية ينحرف عنه انحرافاً ظاهراً ويعود الى النزعة المثالية التي ظهرت في كتاباته الاولى، حيث كان في «دمعة وابتسامة» يتغنى بالمحبة وينشد الجمال ويؤمن كالمتصوفين بانبثاق النفس من الروح الكلي وعودتها اليه في النهاية.
وقويت عنده النزعة الصوفية تدريجياً وتبلورت في كتاب «النبي» الذي يرينا ذروة النمو الروحي الذي حلم به. وهو الكتاب الذي يزعمون انه قلد فيه نيتشه.
يقع الكتاب في مئة وبضع صفحات وضعه جبران على لسان نبي يدعى المصطفى كما وضع كتاب نيتشه على لسان نبي
شرقي هو زردشت. وقد اشار واضع سيرة جبران، ميخائيل نعيمه، الى وجوه الشبه بين الكتابين في ثلاثة مواضع. الاول ان المصطفى وزردشت كليهما ينشر مواعظه على الناس ثم يعود الى عزلته. والواقع ان نبي جبران يلقي عظاته دفعة واحدة قبيل عودته النهائية الى مسقط رأسه. اما نبي نيتشه فيهبط من الجبال ليفرغ ما في قلبه من كنوز ثم يرجع الى العزلة ليجمع دررًا جديدة، يعود فينشرها على الناس مرة ثانية.
الموضع الثاني ان كليهما قبيل ذهابه يخاطب البحر ويحلم بالانحدار اليه. لكن عودة زردشت الى البحر ترمز الى الآلام التي يجب ان يعانيها ليبلغ اعلى درجات السعادة والنمو ويقول «ان اعظم الجبال مصدرها البحر» اما عودة نبي جبران الى البحر فتعني الاتحاد الصوفي، عودة الروح الى مصدرها، عودة النقطة الى البحر والروح الجزئي
الى الروح الكلي «قطرة لا تحد في محيط لا يحد».
الموضوع الثالث : ان كليهما يعد اصحابه بالرجوع اليهم حين ينكرونه أو ينسونه.
اما زردشت فيعود اليهم فعلًا منحدراً من الجبال الذي استقر فيها. واما المصطفى فيضيف قائلاً : «ان امرأة اخرى ستلدني». فعودته الى اصحابه تعني تقمص روحه في جسم جديد وتشير الى عقيدة التناسخ التي كان يؤمن بها جبران.
فحيث يرى نعيمه موضع شبه نرى في الواقع مواضع اختلاف.
واذا زعمنا ان جبران اخذ عن نيتشه اسلوبه الكثير الصور والرموز نكون ايضاً مخطئين. لانه بدأ حياته الكتابية بهذا الاسلوب الشعري،
( البقية على الصفحة ٥٠ )

