سلوى نصار لأول مرة في ندوتنا ! إنها ورقة حلوة بين جميع أوراق السنة ، وأنه مجال فرح ، وأظنني أسمع قلب الندوة اللبنانية يخفق .
وهي إلى أيادي المؤسس الأستاذ ميشال اسمر ، يد أخرى في حقل العهد الذي قطعه على نفسه منذ أن راح يحرص على أن لا يفوت عقدنا آتياً واحدة من الدرر التي يدلّ بها لبنان .
★
تكلّمُكَ على سلوى نصار ؟ إنه بالأحرى مدُّ يدك إلى باقة من ورد : يعطر المكان ويعطر يدك .
اسم سلوى نصار مجد ، مجد لنا في دوائر العلم في أميركا وفي أوروبا . غير واحد من علماء الذرة هناك فاخر بأنه أصدر بحثاً بالاشتراك مع سلوى ، غير واحد قرأنا اسمها قبل اسمه على رسالة علمية ، غير واحد من مثل أوبنهيمر رئيس لجنة الطاقة الذرية في أميركا ، اشتغل أشهراً ويداه إلى جنب يديها في المختبر الواحد أو في المعادلة الواحدة .
كل ذلك في لغة العزة وشموخ الرأس شيء لا تعطاه أمم كثيرة .
مجرّد إطلاعنا هذه العالمة ساهم في حقنا بالاستقلال وبالرقي الاجتماعي وبالطموح إلى التطلّع صوب الجلل .
كانت سلوى نصار ، - لا في لبنان بل في الشرق جميعاً - أول امرأة تشوّفت إلى مزاولة أصعب علم ، العلم الذي يخص حاضر السياسة لأنه يحلّ اليوم محلّ البطولة وجرّ الجيوش ، ولأنه غداً سيمدّ الإنسان بالطاقة الرخيصة حتى ليغدوا الرخاء ميسوراً للجميع . إنه العلم الذي على خير استعماله أو شره يتوقف بقاء الكرة أو زوالها .
تراها بتصدّيها لهذا النوع من النشاط الرفيع أرادت العالمة اللبنانية أن تقول للمستعمر : لم يبق لك من دور في بلد بات شأنه شأنك ؟ أم حرصت على إظهار عطش العقل الشرقي في طربه للمعرفة الاخيرة تشيّءِ الاشياء ، تفكّك المادة ، تركّبها من جديد ، تحاذي الذي أرادها على صورته ومثاله ؟
في لبنان ما من رجل تطلع قبلها إلى هـذا الضرب من التحصيل ، وفي الشرق كلّه ما تزال فيه المرأة الوحيدة .
قال اميل بريّه في كتابه « تاريخ الفلسفة » نقلاً عن الجغرافي
سترابون : إنّ أول ذرّي في الأرض كان من صيدون . هو موخوس ، عاش في القرن الثاني عشر ق.م. وعنه أخذ ديمقريت بواسطة لوسيب ماعاد وعرف بالنظرية الذرية .
لكم تتخذ هذه الحقيقة من مغزى ، اليوم ، بعد أن كانت هذه اللبنانية أول شرقية تكمّل موخوس ، عقب أن باتت نظريته حقيقة علمية وحسّاً واقعاً .
إن الاشتغال بالفيزياء الحديثة يتطلب ملاعبة بالأرقام توازي الحذر ، ونادراً ما تعطى المرأة موهبة الرياضيات ؛ ومع هـذا تصدّت سلوى نصار لهـذا العلم كأنما راحت توسّع حدود المقدور النسوي .
لكم كان من عملها ، في ظروفنا الممضّة المعاصرة ، من انتصار للمرأة على الرجل ، ذاك الذي حبس عليها حقوقها وهو عنها مقصر .
ولم تكتف سلوى نصار بذلك ، بل راحت تمضي قدماً ، فاختارت لنفسها من التخصص في فروع هذا العلم الفرع الذي لا يزال أكثر النواحي إبهاماً ، هو الأشعة الكونية .
★
أي مبلغ بلغت من طريقها ؟
لنترك الجواب لها ولتلامذتها الذين سيكملون عملها غداً . كل ما نعرف أن هذه اللبنانية المتواضعة على أنفة ، المحبة على عنف مع الذات ، المنزوية على تفتّح صوب الحق ، إنما اجتازت ألف أزمة وجذبتها دوائر العلم في أميركا وأوروبا مثنى وثلاث ، ولكن الأرض التي أطلعتها كانت تتغلب في النهاية فتردّها إليها رغم فقر الوسائل هنا ورغم الاضطرار إلى العمل المنفرد .
★
وتسألوني : ما حلم سلوى نصار ؟
لم يُعطَ لي أن ألج إلى ذلك القلب البسيط الغني ، ولا أن أبوح بالشيء الذي يضعفه أن يكون أقلّ من تنفيذ .
كل ما عندي لكم أن حلم سلوى نصار كبير ، وأن كلمتي لبنان والخير منقوشتان في صميمه .
إن حبّنا لسلوى نصار جزء من التقوى في لبنان ، وجزء من طريقنا إلى مصير كبير .

