نودع هذه الفترة المتقلبة بين الشتاء والربيع ، تناوبها اللفحات سموماً وصبا ، ونودع معها ملابس الصوف واقيتنا فتكات ريح الشمال المحتضرة ، متيمنين بمقدم الصيف الذي اوشكت طلائع انسامه الشرقية تحتل افقنا العزيز ، لتبعث في ارضنا موسماً يعود عليها بالمباهج والمسرات .
وتوجهت الى مفوضية السياحة والاصطياف ، اقضي بعض المهمات في طريقي ، يزحمني المارة وازحمهم ، تارة تدهمني سيارة وطوراً ادهمها - تعرفت بين الصخب اشخاصاً ينمون انهم غرباء ، نزلاء شطآننا لاول مرة ، يستطلعون معالمها ، ويتلمسون طوابعها بعين لاهبة سالبة ، غير جاهدين اخفاء فضول المتفرج وقوة ملاحظته . ثم استقر بي الطواف اخيراً الى اسفل سلم رخامي ناصع ، تسلقته فوراً ، خشية تأخري عن الموعد المضروب مع الاستاذ توما . وما كدت اصل الدور الثالث الذي تشغله المفوضية حتى ادخلني الحاجب المكتب الأنيق وارشدني المفوض الكريم الى المقعد الجلدي الفاخر ليسدي اليّ ببعض المعلومات « لصوت المرأة » .
لبنان بلد سياحة يكون الاصطياف احد اجزائها : حيث لا يمكن التدليل الى أي شهر من السنة يخلو فيه لبنان
من السيّاح لما اسبغته الطبيعة من جاذبية خاصة على فصوله وشهوره . مثلاً اليوم في الربيع ، تزهو السواحل والاماكن الأثرية بالبعثات السياحية والرحلات الثقافية الأوروبية والاميركية . ثم في الصيف يؤم بنو الاقطار العربية واحة صحرائهم ، لبنان ، في القمم والجبال ، ولا نستثني السواحل ، إذ بالنسبة لحرارة مناخهم هم لا يجدون من ضير في الخلود الى البحر وهوائه المزود بالآزوت المغذي المنعش .
ويزداد عدد السيّاح في الخريف عنه في الصيف . ولا غرو فهو آناً تشمل طيبته الساحل والجبل بين دفق الفاكهة النضجاء ، تداعب الاغصان التي وضعت حملها ، ريح رخاء ، رطبة الانفاس ، وليال طوال كلها متعة وصفاء ، تلعب فيها دور الملاهي والمنتديات على اختلافها دورها الاول . بينما يكون اصحاب الفنادق المهيأة للتدفئة يعدون العدة لموسم التزلج المقبل وان قل شأناً عن اخوته الثلاثة لضآلة الملام اللبنانيين بهذا الفن ووفرته في اوروبا .
ومن الغريب ان اتوق حينها الى البرد والثلج عند ذكرهما ، لا لأني سونياهني في التزلج ، او لأني اندب الشتاء الراحل ، بل لما أحسسته من شدة الحر بعد الجري الطويل في الاسواق ، قبل ان انتهيت الى المفوضية التي اطلق « الشوفاج » عنانه في ارجائها ! وكذلك ضبطاً للحرارة او تلافياً لغوغاء الشارع ، قد اسدلت خصاصات الخشب في النوافذ الرحبة المحكمة الاغلاق ! فلم اتردد طبعاً من ارسال جرعة كبيرة من قدح الكوكا كولا في حلقي لأعرب بعدها عن رغبة « صوت المرأة » لتطل بنظرة خاطفة على السواح الاجانب ومعدل ما ينفقونه في البلاد . واستطرد الاستاذ توما -
اذا استثنينا مصطافينا الوطنيين من قائمة السائحين تصبح الجنسيات حسب الاكثرية الاحصائية : سوريا ، الولايات المتحدة ، الاردن ، بريطانيا ، تركيا ، العراق ، فرنسا ، مصر ، المملكة السعودية ، فلسطين ، قبرص ، ايطاليا ، اليونان ، هولندا ، المانيا ، الكويت ، ايران ، سويسرا ، ومصادر اخرى . ويبرهن الجدول الآتي مدى تقدم السياحة في

