
.. ولم أكن أجلهن، ولا أذكرهن ولا أكبرهن، كل ما كان يميزني عنهن أحساس مرهف وشعور رقيق، وليست هذه مما يحسد الإنسان عليه!
وقد كانت لكل من صديقتي ميزة تفخر بها.
فالأولى - سهام - كانت رائعة الجمال، طويلة القامة، سمراء، يمتزج في عينيها اللون الأخضر مع شعاع بنفسجي يبدو كالمخمل كلما عكست عليها الشمس.
أما الصغرى فقد كانت ميزتها عينيها اللتين يشع منها بريق بحيث يستحيل التحديق فيها، وعقل تستطيع معرفة حدته من خلال بريق تينك العينين.
أما أنا فلم أكن جميلة كالأولى، ولا ذكية كالثانية، بل كنت بطبعي أميل إلى الوحدة والهدوء، تغلب على نفسي طبيعة شاعرية لا أستطيع نزعها من نفسي، فهي في تكويني وفي أحساسي.
وقد يعجب أي إنسان، من نشوء صداقة بين هذا المزيج الشاذ من البشر، ولكن عجبه يزول عندما يعلم أنها صداقة الصغر التي نشأت بحكم الجوار. أجل لقد كانت صداقة متينة، وظلت تنمو عاماً بعد عام، وتثبت أركانها حتى هبت عليها عاصفة زعزعت تلك الأركان، وهدمتها، فلم يبق منها سوى الأطلال.
وما هي تلك العاصفة؟ بل من هو؟
لا تسلى، ولا تسلها، فما من
واحدة منا تستطيع إجابتك. لأن الهفوة لم تكن هفوة أية واحدة منا. بل هي هفوة حب، كان أقوى من الشعور وأعمق من المثل الإنسانية. حب هدم كل شيء ... حتى صداقة الصغر التي لم يزعزعها قبله شيء.
وقد بدأت قصتنا بهفوة .. أبسط ما تتصور، هفوة بالأسماء.
وإنني أذكر ذلك اليوم جيداً، فقد كنا جالسات أمام غرفة الطعام عند فرصة الظهر، فجاءت فتاة صغيرة تخبر سهام بأن هناك من يود رؤيتها. فتعجبت سهام للأمر ولكنها ذهبت مع الفتاة لغرفة الاستقبال، لتعود بعد خمس دقائق وهي تتمتم .. يا ليته حقاً يريد رؤيتي، إنه شاب جميل جداً، ولكنه للأسف يريد رؤية سهام أخرى ...
ومرت الأيام، وكدنا نتناسى هذه الحادثة الصغيرة، لو لم نذهب في إحدى الأمسيات على طريق الكورنيش لنتنزه وإذا بسهام تشير إلى شاب، يسير مع جماعة من أصدقائه، وتهتف: هذا هو، الشاب الذي قابلته في غرفة الاستقبال. هذا الذي يرتدي «بلوفر» بني. وقد كان حقاً رائعاً، حتى أننا لم نمالك أنفسنا من إطالة النظر إليه. أما هو فإنه التفت وحيا سهام.
ولما رجعنا إلى المنزل صرنا نتحدث عنه، وكل واحدة منا تعلق عليه تعليقاً. كم ضحكنا يومها ومرحنا، ولكننا لم نكن نحسب لقلوبنا وخفقانها أي حساب
وأننا صرنا نراه بعد ذلك كثيراً، وصارت كل واحدة منا، وبدون إرادتها تحاول اجتذابه إليها.
إنني أدرك الآن كم كنت غبية، فقد كان من المحال أن أربح هذه المعركة في حين وهبت سهام هذا السلاح الفتاك نعم .. إنني أدرك ذلك الآن ولكنني يومها لم أكن أفتح عيني لأرى شيئاً. لقد شئت أن تبقى عيني مغمضتين. لكن القدر فتحها .. وبشدة. وبدون شفقة، عندما أرسل عصام رسالة لسهام. وكانت صفعة القدر الأولى.
ومع أن الرسالة كانت سخيفة كغيرها من رسائل الغرام التي ترسل لأول مرة من عاشق أحمق لفتاة أجهل منه، فإنني يومها لم أرها سخيفة، لا، بل نظرت إليها وكأنها حقي المغتصب.
أعطتنا سهام الرسالة لنقرأها، أنا وآمال، فتصنعنا الضحك وكانت قلوبنا تدمى، وشعرت يومها بضيق خفي، وبعاطفة غريبة نحو سهام لا أستطيع تحديدها، ولكنها لم تكن عاطفة محبة.
ثم تتالت الرسائل على سهام. وكانت في بادئ الأمر تبدي بها اهتماماً، ولكنها سرعان ما ملّت، وأذكر أنها يوماً قالت لي «ما أسخفه، أما تعب من إرسال هذه الرسائل؟» فتظاهرت بأنني أوافقها على رأيها، في حين كدت أنفجر من الشعور الذي راودني ساعتها. ولآن لا أستطيع تفسيره. هل كان شعور غضب، أم حزن، أم حسد؟..
لست أدري، كل ما أدريه هو أن الهوة في نفسي قد أتسعت، وبت أشعر كأن سهام غريبة عني، ومع أنها هي لم تتغير معي غير أنني تغيرت معها، لكنني لم أظهر شعوري تماماً إلا عندما قالت لي يوماً، «لقد مللت من رمزي، وأنا لم أحبه قط، غير أنني كنت أراها