طويلاً ، فبعد هذه الحادثة بأسبوع جاءتني تقول بأن « عصام » علم كل ما قالته سهام عنه ، لا أدري ، ولا أهتم أن أعلم ممن ، لكنه علم وهذا هو المهم ، فأرسل لها رسالة عتاب ، بل أكثر من عتاب . اخبرتني آمال بهذا ثم سألتني هل انا التي اخبرته ؟...
وقد كانت هذه الكلمة آخر عهدي بالاثنتين ، فقد نظرت إلى آمال نظرة عتاب ، وقلت لها « آمال ، هل تعتقدين ان هذا يحدث ؟ » فقالت « لا .. لكن ظننت ان .. فقاطعتها بمرارة » ان كل ما فعلته سهام معي لا يساوي هذه الكلمة يا آمال ، وإنه يعز عليّ فقدانكما ولكنكما أنتما الاثنتان لم تراعيا شعوري فخير لي ان اعيش بدونكما ، حتى ولو عشت وحدي » . ثم تركتها مشدوهة ومضيت في سبيلي .
لم تكن السنة قد انقضت بعد . وكان باقياً منها ستة اسابيع . ستة اسابيع هي الباقية لي في ذلك المعهد ، وقد امضيتها لوحدي لا أصادق أحداً ولا تتمنى فتاة مصادقتي .
كانت هذه الاسابيع تمر ببطؤ فأحس كأن نهايتها لن تأتي . وكان كل يوم يأتي يزداد فيه حبي لعصام .
لقد صرت احبه من كل قلبي .. بل لقد كدت أعبده . وكان كلما ازداد شعوري بالوحدة ازداد حبي له ، ولكنني بعد ان تعلمت قيمة الكتمان أطبقت شفتي على سري ، ودفنته في قلبي .
لكن لكل شيء نهاية ، وهكذا انتهت هذه الاسابيع ، ونلت شهادتي ، وبهذا ابتعدت قليلاً عن هذا المكان الذي ترقد فيه ذكرياتنا نحن الثلاثة . وكأن القدر اراد ان يسدل ستاراً
كثيفاً على الماضي ، وآلامه ، فانتقل والدي من مركز عمله في بيروت إلى المفوضية اللبنانية في اميركا ، فسافرت اليها ، وعشت فيها كآلاف الالوف ، ولكن شيئاً واحداً كان يقض مضجعي إن عظمة هذه البلاد ، وملاهيها ، والفتيان الذين قدموا لي في الحفلات ، إن شيئاً من هذا لم يستطع ان ينسيني لبنان الصغير ، لم يستطع ان ينسيني من هم في لبنان .
- لقد كانت ذكرى الثلاثة لا تفتأ تلاحقني .. ذكرى عصام ، والصديقتين اللتين هجرتها لأجله . ومع اني لم اسمع عنهم شيئاً ، إلا ان كل حركة آتي بها كانت تذكرني بهم .. كل كلمة اسمعها .. كل شيء أراه كان يذكرني بهم ، حتى استحال عليّ ان اصادق احداً او احب احداً .

