ولم تتحمل اعصابي هذا الشوق فأخبرت والدي بأني أود العودة إلى بيروت لأتم دراستي في الجامعة هناك ، ولما كنت وحيدته التي لا يرد لها طلباً فقد جئت إلى بيروت .
وهنا في بيروت وجدت ، كما توقعت تماماً ، وجدت عصام .
ولكنني تظاهرت بأنني لا أعرفه ، ولم أكلمه . والحقيقة أنني لا أتخالط حتى مع الفتيات في منزل الطالبات ، إلا قليلاً . لأنني أكره أن أنشيء صداقة جديدة ، أو حباً جديداً ، بعد أن فقدت صديقتين لم أحب أحداً كما أحببتهما ، وبعد أن فجعت بقلبي في صفقة حب خاسر .
وها أنا الآن منذ ستة أشهر أعيش بمفردي بين الناس ، أحس بعدم انسجام ، بل وبقليل من الخوف منهم لا أدري سببه .
هناك شيء واحد يعزيني عن وحدتي هو شعوري بأنه دائماً معي .. دائماً في قلبي .. دائماً أمام عيني . يكفيني أن أراه كل يوم .. حتى ولو لم يشعر هو بوجودي فإن كوني معه في نفس المكان كاف ليبعث في نفسي كل يوم أملاً جديداً . ربما شعر بوجودي يوماً .. ربما خفق قلبه ولو قليلاً ... ولو صدى لهذا الاحتقان الشديد الذي يكاد يتقطع من قوته قلبي ..! عند ذلك يهون عندي كل ما قاسيته في الماضي . وأنسى وحدتي وعذابي .
إنني أعيش الآن بهذا الأمل ، وحتى لو زاد به عذاب قلبي .. فبهذا الأمل وحده سيحيا هذا القلب . ولكنني أحياناً أعود إلى نفسي .. فأعي الحقيقة . أعلم تماماً أنه من المحال أن يحدث هذا الذي آمل ان حدوثه . إنه لم يكلمني قط ، ولم يعرفني سوى قليلاً ... وربما قد نسي وجهي .. فكيف يخفق قلبه بمجيء .. كيف يخفق قلبه بمجيء من لم يعرف ؟
بالأمس رأيته وتلاقت نظراتنا .. وفي وقت كان قلبي يكاد يخرج من
صدري ، عبرت نظرته عن أنه يحاول ان يتذكر ... اين رأى هذا الوجه ! أجل ، لقد نسيني تماماً ، ولم يعد لي مكان في ذاكرته . فلم لا أنساه ؟ لا أدري . إنني حائرة الآن .. هل ابقى بقربه؟ أم اعود لأميركا وأحاول مرة أخرى .. ولو محاولة .. ان أنساه ؟
لكن ، هل أنساه يا ترى ؟ هل استطيع نسيانه وأنا هكذا ؟ قد اغلقت من دوني العالم ؟ كلا . لن استطيع نسيانه ، وأنا في هذه الوحدة . فإن وحدتي تزيد من حبي له . إنني لن أنساه
إلا اذا رأيت قلبا حنونا يساعدني على النسيان . فمن لي بقلب حنون ينسيني عقوق قلبه ؟
هل يا ترى سأجد هذا القلب ؟
انا نفسي لا اعتقد هذا ... إنني أعلم تماماً انه قد كتب عليّ الحرمان . ولم يعد في حياتي شيء يغذيها سوى الذكرى . ذكرى ايام مضت كأحسن ما تكون ايام العمر .. ذكرى الايام الاولى من معرفتي إياه .. يوم كان قلبي يمتلي حماسة وأملاً .. ذكرى صداقتنا البريئة في المدرسة .. عندما كنا .. ثلاثة .

