لكل منا لهجة في النطق، وهذه لم تأت بالمراس بل هي لهجة البيئة، فمتى غيرنا المحيط نجد أنفسنا نبحث عن لهجة ترتاح إليها الإسماع الجديدة، فإذا بنا نعود إلى تعليم أنفسنا من جديد. التدخين وأخذ حبات النوم من أسهل العادات إذ توجدان الاكتفاء الوقتي السريع، ولكن هناك عادات تأخذ وقتاً طويلاً لتتكون منها العزف على البيان أو الكمان، والسبب ليس المدة التي يستغرقها التعلم بل عدم وجود الطريقة الصحيحة إليه، وهذه ربما يكتشفها المتعلم بنفسه.
هذه سيدة، كانت تنفق عن سعة قبل زواجها، واضطرت أن تقتصد بعده، فهي دائماً تشكو نكد عيشها وحاجتها وهذا الحل الوحيد لسوء حظها، فأصبح عادة لديها. يقر أحد الباحثين بأن مفتاح التغلب على العادات هو فهم المرء لذاته فكثير من العادات منافذ نحل بها مشاكل لا نقدر أن نواجهها، وهذا مثل يوضح لنا ذلك، وهو قضية شاب نسميه فريد، لا يكتب لأهله إلا نادراً، ويزورهم لماماً بينما يراسلونه كل أسبوعين فلا يجيب إلا بعد مضي أشهر، لديه أسباب قوية تمنعه من الكتابة، وكونه وحيداً يعطينا سبباً كافياً. كان يعلم بأن انقطاع مراسلاته يورث والديه ألماً مريراً، وللحصول على إرثهم، عليه أن يحاسنهم ولكن كل ذلك لم يقنعه، بل كان أبداً يجتنب سؤال نفسه: لماذا لا أكتب؟
زاره يوماً صديق، أوضح له بأن لتمنعه عن الكتابة سبباً متى عرفه فتح أمامه السبيل بسهولة، ووجهه إلى السؤال الأول: «لماذا أفعل ذلك؟» وألح عليه، فأعاده إلى ماضيه أيام طفولته، فأبوه عامله بسخرية لاذعة، مثلاً كان يهزأ من ملابسه التي يعتقد بأنها تقوده إلى التبذير، وارتفع
الضغط، وغلت الفكرة في رأسه، وانفجر فصدم ذلك الوالدين. ثم هناك سبب آخر، فإن والديه كانا يقرران كل شؤونه، فيقبلان دعواته إلى الحفلات دون استشارته، فقرر أخيراً أن يوقف ذلك في رفض زيارة لم يكن له علم بها.. وتزوج فريد - فزاد الطين بلة - وعوملت الكنة بمنتهى الخشونة، فلم يلحظ ذلك لعدة أسابيع، دخل بعدها ليجدها تبكي في غرفتها، وكانت الصدمة قوية إلى الحد لم يحتمل معه البقاء في المنزل، فتركه إلى غير رجعة، وبالرغم من توسلات زوجته.
هذا هو الانتقام بعينه، وماذا عملت معرفة الذات له؟ ساعدته على تنظيم مسلكه على أسس واقعية؛ وعندما نستعرض هذه القصة، ترسم أمامنا عدة أسئلة يبقى لنا الاختيار في الإجابة عليها. هناك صديق أعرفه اضطر للتخلي عن هواية تسلق الجبال، بعد أن مارسها ثلاثين عاماً، واعتاد الحياة الجديدة برضى وبذلك دليل على أننا نقدر أن نكوّن
عاداتنا وحياتنا تباعاً لمنهج جديد، فنحن لم نخلق لنبقى كما كنا، فالتعرف إلى المشكل لا يكفي لحله، ولا يمكن أن نتخلص من العادات بكسرها بل بتنظيمها من جديد.
سلمى تخاف من الغبار والأقذار، وهذا الخوف كحجر الرحى معلق في عنقها يحرمها النوم والراحة. النظافة، هذا كل ما يهمها، ويسمي علماء النفس ذلك بالتسلط أو الاستيلاء، فالفكرة ملازمة لها كظلها، وقادتها إلى فهم وضعها؛ فقضيتها تعود إلى الطفولة، حين كانت والدتها تعنفها بقسوة لأنها سمحت لردائها أن يتسخ، وأسباب أخرى نمت وتطورت فأوصلتها إلى هذه (السرسبة) فلو تركت لما تمكنت من اكتشاف ذاتها. كثير من العادات تنقص تمتع الأشخاص الطبيعيين بالحياة، فيواجهون مصاعب هم بغنى عنها. وكل منا عنده عادات يمكنه استئصالها بالتفهم لذاته العميقة، فالعادة كونت لغاية، إذا لم نقم بخدمتها نغير وجهة انطلاقها؟

