لقد كان يومئذ قدراً مقدوراً في تاريخ البشر، حين نزل رجل انيق من مركبته في سنة ١٨٥٩ والقى نفسه في وسط معمعة (سولفرينو). كان اسم الرجل (هنري دونان) ولقد كابد في تلك المذبحة التاريخية ساعات غيرت سيرة حياته، فانقلب الشاب المالي الموفق رسولاً من رسل الرحمة.
وقد اتى على اثر ذلك نصف قرن واسم دونان يردد في جميع انحاء العالم ذلك بأنه كتب له بأن يؤسس اعظم جمعية عالمية لخدمة البشر.
سافر دونان ذات يوم عجلاً يريد مقابلة نابليون الثالث امبراطور فرنسا، الذي كان على رأس جيش فرنسي يحارب في شمال ايطاليا، فلحق به في (سولفرينو) وفي ذلك اليوم كانت الدماء تسيل مسفوحة على سبعين ميلاً مربعاً من سهول «لومبرديا» في مجزرة من اعظم مجازر التاريخ. وكان الملك فكتور عمانوئيل الثاني على رأس جيش مؤلف من خمسين الف مقاتل من اهالي «بيدمونث». وقد اقسم بأن يطرد النمسويين من ايطاليا، وكان لويس نابليون قد خرج لنجدته بمئة الف مقاتل من الفرنسيين، أما النمسويون فكان عددهم مئة وستين الفاً بقيادة الامبراطور الشاب «فرنسوا جوزيف» وهو في التاسعة والعشرين من عمره.
فلما حط دونان رحاله ببلدة «كستليوني» وراء الخطوط الفرنسية، ظل يراقب الجرحى يعودون صفوفاً طويلة في مركبات من الخشب ترتج ارتجاجاً مؤلماً. وفي الموقعة التي استمرت ١٥ ساعة سقط زهاء ٤٥ الف قتيل، وظل معظمهم حيث سقط لا يعنى به احد. وعجز رجال الخدمة الطبية في جيش الفريقين عن العمل، لأنها لم تكن متأهبة لمثل ذلك العدد الكبير من المصابين فصار كل بيت وكل معبد في كستليوني مستشفى. وتفشت الأكلة (الغرغرينة) والكزاز (التاتنوس) بينهم تفشياً مرعباً.
لم يطق دونان البقاء في عزلته. فنسي المهمة التي قدم من اجلها. فأنشأ هذا المالي البالغ من العمر ٣١ سنة كتيبة قوامها ٣٠٠ رجل من الجنود والأهالي لانقاذ الجرحى والعناية بهم وتولى هو قيادتها.

جعل العدو والصديق سواء في رعايته قائلاً: «انما نحن جميعا اخوة!» فسرت تلك الصيحة في المدينة كلها، وقدر لها ان تسري فيها بعد في العالم كله. ولما أصبحت الاعانات تتدفق عليه، تسلل وتوارى عن العيان.
كان دونان سليل اسرة سويسرية ممتازة من اوساط الشعب اشتهرت باعمال البر والاحسان، تلقى علومه في خير المدارس السويسرية ودخل بعدها في خدمة شركة من شركات المصارف المالية في سويسرا.
ولما انقضت مدة تمرينه أسس شركة رأس مالها مليون فرنك لانشاء اربع مطاحن للدقيق في بلاد الجزائر، الا ان دونان أهمل فلم يحصل على امتياز القوة المائية لتلك المطاحن. فسعى لمقابلة لويس نابليون في «سولفرينو» ليحصل على ذلك الامتياز ولكنه لم يوفق.

