فلما عاد كتب يصف عاقبة موقعة «سولفريتيو» الفاجعة، واقترح خطة لانشاء جمعيات من المتطوعين للاسعاف في جميع الامم. وقد نشرت هذه الرسالة سنة ١٨٦٢ فأثارت اوروبا كلها. فعرض «غوستاف موينيه» رئيس جمعية النفع العام بجنيف ان يؤلف لجنة لتنفيذ ما دعا اليه دونان. قبل دونان هذا العرض. ودعا ثلاثة رجال من كبار اهل سويسرا لينضموا اليها. وانشئت لجنة سميت «لجنة الخمسة الدولية» وهي اصل لجنة الصليب الاحمر الدولية الحاضرة.
كان بسمارك اذ ذاك يرسم خطط سلسلة الحروب التي اجتاحت اوروبا في ذلك الحين، فلما شعر دونان بالخطر المقبل اقدم وعزم على توسيع نطاق مشروعه فاستدعت «لجنة الخمسة» مندوبين عن جميع الدول للاجتماع بمدينة جنيف. كان ذلك جرأة بالغة - إلا ان دونان لم يلبث ان انطلق سنة ١٨٦٣ ليطوف بجميع عواصم اوروبا، ولم تنقض ثلاثة اشهر حتى تمكن من اقناع ست عشرة دولة بارسال مندوبين عنها. واجتمعوا في شهر تشرين اول من تلك السنة في جنيف وتمت الموافقة على المبادئ التي تقوم عليها جمعية الصليب الاحمر الدولية.
وكان مما طلبه دونان: ان الجندي اذا ما وقع جريحا في المعركة ينبغي ان يظل في مأمن لا يلحقه اذى ما لم يقاوم، وأن يعينه من لقيه من عدو او صديق وان يكون جميع الاطباء المتطوعين للخدمة الطبية بمنجاة من كل اعتداء. وان لا يحمل سلاح اي طبيب او اية ممرضة. وان يلبس جميع الذين يعنون بخدمة الجرحى شارات مميزة على اذرعهم.
واتخذ العلم السويسري بعد عكس الوانه رمزاً دولياً اعترافاً بفضل سويسرا. ذلك هو اصل رسم الصليب الاحمر على رقعة بيضاء، وذلك هو مولد اعظم عمل انساني منظم في ساحات القتال.
وبعد عشرة اشهر تم توقيع ميثاق جنيف في اجتماع رسمي عقدته حكومة سويسرا وبلغ عدد الدول التي وقعت ذلك الميثاق اثنتي عشرة دولة. اما اميركا فلم توقع ذلك الميثاق الا بعد ذلك بثمانية
عشر عاما... واستمر دونان يصارع في سبيل تحقيق رسالته حتى تمكن من نشر دعواه في الامصار كافة...
ولكن ثمة فكرة اخذت تختمر في ذهن دونان بعد ان تم له تأسيس جمعيات الصليب الاحمر في جميع الدول المتمدنة في العالم. وذلك ان لا يقتصر عمل الصليب الاحمر على زمن الحرب وحسب بل يشمل جميع المصائب والكوارث التي تحدث في زمن السلم ايضاً. كالزلازل

