والفيضان والحرائق والمجاعات . وهذا المشروع تمت الموافقة عليه فيما بعد ، وبفضله انقذت حياة الملايين من الناس . الا ان لجنة جنيف رفضته يومئذ . وعاد دونان في سنة ١٨٧٥ فتوارى مرة اخرى عن الانظار . ولم يعلم احد اين ذهب وكيف عاش . وكل ما يعرف عنه انه اختفى خمس عشرة سنة ، ويظن انه عاش باسم مستعار . وذات يوم روى بعض ابناء قرية «هيدن» في قرى جبال الألب لمعلم مدرسة القرية انهم رأوا شيخاً هرماً على رأسه كمة سوداء ، وله لحية بيضاء طويلة ، وانه كان يراقبهم وهم يلعبون ويخاطبهم بكل حنان . فأخذ المعلم الشاب واسمه وليم سندريجو يبحث عن سرّ الرجل ، ودعاه الى منزله ، وما كان
اشد دهشته اذ اتضح له ان ضيفه لم يكن سوى هنري دونان !
ولم يمض قليل حتى عقد مؤتمر دولي لجمعية الصليب الاحمر في روما . فبعث وليم سندريجو برسالة الى المؤتمر لتقرأ على المندوبين : « مؤسس الصليب الاحمر لم يمت وهو في عوز شديد . » وعاد اسم دونان يسري في اوروبا مرة اخرى واخذت الهبات تتدفق على قرية هيدن من جميع انحاء العالم . وقرر مجلس النواب السويسرى منح الرجل مساعدة ، وضربت نقود باسمه . وقررت امبراطورة روسيا الوالدة منحه معاشاً مدى الحياة ، ومنحته بروسيا ( نوط التاج ) ومنحته البرتغال ( نوط المسيح ) . ومنحته فرنسا ( صليب اللجيون دونور ) . وفي سنة
١٩١٠ وكان عمره يومئذ ثلاثاً وسبعين سنة نال دونان جائزة نوبل للسلام . وانتعش مرة اخرى ، الا ان المال لم يعد له قيمة عنده . فبعد ان وفى الديون التي كانت عليه لبعض الدائنين من علم مقرهم ، اعطى ما بقي للجمعيات الخيرية . وظل يعيش بخمسة فرنكات يومياً في غرفته النظيفة المشرقة في مستشفى الفقراء في (هيدن) ومات سنة ١٩١٠ عن اثنين وثمانين عاماً ، وشيعت جنازته بلا احتفال كما اوصى ، ودفن في مدينة «زوريخ» حيث يتولى ابناء وطنه السويسريون العناية بقبره ويزورونه في الفترات المناسبة ليكرموا ذكرى مواطنهم العظيم - ذلك الرجل الخيّر الذي لكل العالمين فيه نصيب .

