احتفل العالم المتمدن في اواسط الشهر الفائت بعيد الامهات، فعلى كل صدر قرنفلة بيضاء...
ومرت مواكب الأمهات تلك التي تلوّن طفولة صغارها بالوان من السعادة تجلس وسطهم وقد اشرق محياها هناءً... تبسم لهذا.. وتضم ذاك.. وتجيب تلك.. كل شيء في بيتها اغنية موسيقية عذبة.. رفاق صغارها ترحب بهم وتهيء لهم الجو الهني.. سهراتها معهم حلوة في الشرفة صيفاً وحول المدفأ شتاءً تحكي لهم فيها الحكايات والاقاصيص.. الكعك... الحلوى... الهدايا... بيتها يعبق بأمومة.. تعيش لصغارها... تصورتها هكذا فاذا بشاعر ملهم من بعيد ينحني على قيثارته يداعب اوتارها فتخرج لحناً شجياً ينشد معه:
ورأيتها تبسم قانعة لا تبغي من دنياها جواهر ولا حلياً كأنها كورنيليا العظيمة وقد تفاخرت زائراتها كل بحليها فخرجت وعادت تمسك بصغارها وهي تقول.. هؤلاء هم جواهري... رأيتها تترفع عن مبادل المدينة كأن سعادتها في مملكتها وفردوسها المقدس في بيتها واصغيت الى الشاعر فاذا به يغني بهدوء...
مذ قدستها مريم بهرت قداستها المجوسا
ورأيتها والأمة العربية في اوج مجدها، تندفع الى ساحات الوغى تهزج وراء المقاتلين وتحمس.. رأيت ام عمارة تصغير عمر، وهو يومئذ غلام في الرابعة عشرة له ذؤابة رأيتها وقد اصابته ضربة سيف فتدلى كتفه وسقط ارضاً، تسرع اليه وتخرج من حقويها ضمادات اعدتها لذلك اليوم فتضمد جراح ابنها وتعيد الكتف الى مكانها ثم تصيح به كاللبوءة انهض بني وقاتل القوم. فينهض ويقاتل.. رأيت جيوش العرب تفتح الامصار وخلفها النساء والامهات، يشجعن وسمعت الشاعر المنحني على قيثارته يغني بحماس:
ورأيت امبراطورية عربية تمتد من الشرق الى الغرب يسوسها رجال اقروا العدل فازدهرت وادهشت الدنيا بمجدها وعظمتها ورأيت وراء كل عظيم من هؤلاء امّاً عظيمة... رأيت شعوباً يقظة واعية تصوغ سياستها وسمعت الشاعر لا يزال يعزف بحماس وينشد:
ورأيتها تضمد الجراح في المنزل كأم أيضاً رفعت الامومة حسّها وجعلتها أمّاً لكل بائس معذب كل هذا وقيثارة الشاعر تعزف وهو ينشد بحنان:
فيض العواطف كم رشفنا من مناهله الكؤوسا
رأيتها أمّاً للانبياء والرسل تنحني الأجيال امامها وتمجدها الشعوب ويخلدها التاريخ... لا لأنها ولدت، بل لأنها انشأت... رأيتها كما رآها خيال الشاعر المنحني على قيثارته يغني بلحن شجي:
ان الامومة منهل اروت محمدها وعيسى
قالوا في الامهات وعنهن
قال ابراهيم لنكولن رئيس جمهورية اميركا العظيم محرر العبيد الذي مات في سبيل فكرته والذي نشأ من لا شيء فأصبح رئيس جمهورية: قال للوفود التي جاءت تهنئه بالوصول الى الرئاسة:
« لا تهنؤوني بل هنؤوا امي فلولاها لما وصلت الى مقامي هذا »
« عندما كان اسبرطي يذنب، كانوا يجلدون امه وهكذا كانت الامهات تحسن تربية شباب اسبرطة وكان الشباب يزنون كل خطوة لئلا تنزل السياط على جلود امهاتهم »
- قال المؤرخ ميشلي بعد وفاة والدته « لقد فقدت بفقدها آخر صديق لي. كانت قدوتي الصالحة ومنشطي الصادق في جميع واجباتي واعمالي.
- قال المؤرخون عن عبد الرحمن الناصر مفخرة العرب ومفخرة التاريخ: « ان عظمته ومهبط وحيه كان امه... فقد مات والده وهو جنين في احشائها فتفردت بتربيته واودعت سر الكمال وروح السر في نفسه »
- قال بلي سندي ايضاً « اذا شئت ان ترى العظمة فلا تبحث عنها في عرش بل اذهب الى مهد »
- قال جبران « هل كانت محبة ام يوداس لأبنها اقل من محبة ام يسوع لأبنها » ولكن شتان بين ام وام
- واخيراً حمل المؤرخون العرب الامهات بالأجماع تبعة انهيار الامبراطورية العربية قالوا: كانت الأمة في اوج مجدها عندما كانت الامهات فيها عربيات اصيلات فلما امتلأت القصور والبيوت بالجواري والسبايا ولدن نشأً ذليلاً كذل السبايا مستهتراً كاستهتار الجواري وهكذا بدأت الامبراطورية العربية بالتفسخ فالزوال.
