رأيتك في الحلم فملأ الفرح كل جارحة من جوارحي وعبق الطرب في فضاء نفسي وسار الجبور كالكهرباء في حنايا ضلوعي ولما اضمحل أماني الحلم وآماله لم أرَ لحنانك أثراً ولا لعطفك وجوداً لقد تناثرت تلك الأماني بتناثر لألاء الغسق وتلاشت تلك الآمال كما يتلاشى الضباب أمام وجه الشمس، وكما تتساقط وريقات الشجر أمام صخب العاصفة.
رأيتك في الحلم يا أمي!.. فوددت لو تحوّل الحلم إلى يقظة، وتمنيت ألا يكون للأحلام ولا للآمال الأم، واشتهيت أن تتحقق أماني البشر ورغائبهم لتتحقق أمانيّ ورغائبي، ووددت لو ينساب البحر ليصب في الجدول ولو تستمد الشمس حرارتها من الأجرام، لكن الحلم لن يتحول إلى يقظة والآمال لا تزال مكتنفة بالآلام ملتحفة بالويلات والمرء لن يدرك ما يبتغيه ويتمناه كما يتابع الجدول سيره الوئيد ليصب في النهر وهذا في البحر الصاخب الرهيب وكما تنير الشمس أرضنا بأشعتها الساحرة وتعطف بها على الكواكب فيترصع بها كبد الفضاء.
وعندما داهمتني جيوش المرض بفصائلها بمرارة وأخذ جسدي يتكوى بالأوجاع نظرت حولي فلم أر شخصك المحبوب بين الذين يحيطون بفراشي ولا سمعت بين الأصوات العديدة صوتك العذب الحنون، فشعرت كأن قلبي قد تحول فجأة إلى جرة من دموع تصاعدت إلى مآقي وأخذت تنهمر منها بغزارة
وبصوت تقطعه الزفرات وتحجبه التنهدات ناديتك بأعذب الأسماء وتركت في ذمة الأثير نداءاتي...
ولما تراكمت عليّ المصائب والويلات وتسرب اليأس والقنوط إلى أعماق نفسي أودعت القرطاس كل ما في قلبي من مكنونات وكأني بحمل ثقيل أزيح عن عاتقي، فتنفست الصعداء لأن قلبي كاد ينفجر بمخبآته.
وعندما أقفر قلبي من حب البشر عندما اصطدمت نبضات هذا القلب
بأسى الحياة وآلام الوجود. عندما غمرتني لجة الآلام المخيفة وانحدرت بي إلى أعماق اليم الرهيب تطلعت إلى قلبك الكبير فرأيته مجراً لا تنضب مياه حبه وحنانه، رأيت حباً سامياً بأغراضه نبيلاً بمقاصده رفيقاً بمراميه منزهاً عن المآرب مهما تنوعت أشكالها وتعددت أصنافها، رأيت التضحية الشريفة تتجسم في ذلك الحب الطاهر الحقيقي، رأيت في قلبك يا أماه!... حباً شريفاً خالداً تقدسه شعوب الأرض وتباركه آلهة السماء.

