ان فلورنس نيتنجيل من هؤلاء الذين ليسوا لفرد او جماعة او وطن او ارض، انهم للانسانية اجمع؛ كالضوء، والجمال ان احتجب او انتشر، كالفن، والعبير إن تغلف او انتشر؛ انهم السمو المرتجى إن اطل او استتر.
ان امثال فلورنس سيبقون لنا مثلاً رائعة للمحبة والخدمة والتعاون. فهم رمز العاطفة المجيرة الرحيمة، وعنوان الصداقة الوفية، ليس للمال والجاه والسلطان، ابتغاء الكسب، بل للبذل والتضحية والاخلاص للبؤساء.
ولقد كتب كثيرون عن فلورنس نيتنجيل البطلة، واني سأكتفي هنا بذكر القليل عن الرائدة الاولى لفن التمريض الحديث.
في مقاطعة من اجمل الاماكن في انكلترا، مقاطعة دربيشير Derbyshire على قمة ذات غابات، أقيم بيت انكليزي فخم، يطل على ما يحيط به من جمال المقاطعة، ويشرف على ما يلتف حوله من الحدائق الزاهية باكوام الازاهر الملونة اثناء الصيف. وعلى سفح التل امتد مرج زاهر ينتهي بمنحدر تكسوه الغابات حتى النهر الذي ينام داخل وخارج التلال كسلك فضي متألق.
بهذا البيت الجميل كانت تعيش فلورنس وهي ابنة صغيرة، اثناء الربيع والصيف مع والديها واختها. فتظهر
وكأنها من الازاهر وموسيقى الاطيار بوجهها الحلو المشرق، وشعرها البني اللامع ينسدل على جانبيه.
ولدت سنة ١٨٢٠ ومع انها كانت تعيش مع اسرتها اثناء الخريف والشتاء في مكان آخر من همشير Hampshire إلا انها كانت تعتبر ذاك البيت مع جنائنه الفسيحة ومروجه الخضراء واشجاره العظيمة هو بيت طفوليتها.
لقد كانت رحيمة منذ الصغر. فقلبها يتأثر لكل طائر او حيوان جرح او اصابه اذى، ولكل نبتة ازدهرت على ارض صخرية عارية.
فكانت بعد انتهاء دروسها، تذهب حاملة سلة صغيرة بها لوازم الزرع من مرشة وغيرها وغالباً ما كانت تذهب بعيداً حيث الازهار البرية، تعتني بها وتصلح السياجات المكسّرة وتسقي وتسند كل ما يحتاج الى عنايتها.
لقد قال ابوها مرة: «خُلقت فلورنس ممرضة». ذلك بعد ان وجدها تعمل وكراً في أيكة لاجل هزار مكسور الجناح.
وعندما رآها تستمتع بالاعتناء بكل ما لا يستطيع مساعدة نفسه، خصص لها مكاناً بالمستنبت الزجاجي في البيت، لاجل مستشفى، فكانت كلما وجدت طائراً أو كلباً او أي مخلوق يتألم تأخذه الى هذا المستشفى وتعتني به الى ان يشفى.
ويوما بينما كانت تركب على فرسها الصغير وتسير مع قسيس كنيسة الضيعة، اتيا على راع عجوز، منحن، مشلول اليد، يعاني صعوبة كبرى في جمع اغنامه المبعثرة. فسأله القسيس: أين كلبك يا روجر؟
فاجاب الراعي بحزن: لن ينفع لأي شيء بعد اليوم. لقد رماه الاولاد بالاحجار وكسروا ساقه، وانا افكر بأن اضع حداً لبؤسه.
فقالت فلورنس نيتنجيل الصغيرة: آه. هل اقدر ان اعمل شيئاً من اجله؟ أليس من القساوة ان نتركه لوحده في المله؟
ثم نظرت الى القسيس متوسلة وطلبت ان يُسمح لها بمساعدة الحيوان المسكين. فادار القسيس فرسه لجهة الزريبة حيث الكلب ممدد يئن من الالم. وهجمت فلورنس على فرسها الصغير، ووصلت قبل القسيس الى الزريبة، فترجلت واندفعت الى الداخل وركعت على الارض بحنو بالغ، تلاطف الكلب حتى ادار عينيه السوداوين الكبيرتين، ونظر شاكراً في وجهها.
وبعد ان فحص القسيس الساق وجد ان لا كسر في العظم، وارتأى وضع ضمادة ساخنة على الساق المجروحة. فاصغت فلورنس اليه بشوق، وراحت تعمل بحماس مع ابن الراعي على اشعال النار واحضار الماء المغلي.
ثم ضمدت الساق بمساعدة القسيس واستراح الجريح المسكين. ولم تقبل ان تفارقه قبل ان يصبح متهيئاً وقادراً على ان يقوم بقسطه في رعي الاغنام.
( البقية على الصفحة ٤٢ )
