اصبحت اتهيب الكلام في موضوع اجتماعي، لان ذلك من المواضيع التي خضعت لغزو العلم وأرغمت على التقيد بطريقته التي تعتمد الاحصاءات والارقام. فكل حقيقة نحاول اثباتها تصبح من قبيل التعميم أو الظن أو الترجيح، ما لم تستند الى تنقيبات ودراسات دقيقة يقرها العلم الحديث المعروف بعلم الاجتماع.
ان تطبيق هذه الطريقة على الابحاث الاجتماعية وغيرها علّم الناس ان يروا الفرق بين
الواقع والخيال، بين الحقيقة الثابتة والرأي الشائع، وهنا يحضرني المثل المشهور للشاعر لافونتين الذي يرينا ان الصرار حشرة يقتلها الطيش والكسل فتستجدي طعامها من النملة النشيطة. لقد مثّل لافونتين الرأي الشائع الذي لا يستند الى دليل علمي حتى جاء العلم بمنظاره الدقيق فأبطل زعم الشاعر وبين ان الصرار لا يقل براعة عن النملة في اقتناص طعامه. بل اضاف ان النملة هي التي تتطفل عليه احياناً في الحصول على قوتها!
من هذا النوع الدراسات المتعلقة بالمرأة، التي تحفل بها كتب الاجتماع، وعلم النفس وما يتفرع منه، والتي اظهرت بطلان مزاعم قديمة تتعلق بالجنس الآخر. اما ما نسمعه من احاديث وخطب ومحاضرات حول المرأة فقليل منه يصطبغ بالصبغة العلمية. ولا ادري اي نصيب يناله هذا الموضوع من الدراسات الجامعية ومعهد الاحصاء ودوائر الشؤون الاجتماعية. لكن الامر الذي لا شك فيه ان البحث العلمي في موضوع المرأة مهمل عندنا الى حد بعيد. ولعل اول من دشن عهده «لجنة الشؤون الاجتماعية» التابعة للجمعية المسيحية للشابات حين اصدرت كتيباً عنوانه «وضع المرأة في لبنان» بمناسبة المؤتمر الذي عقدته اللجنة النسائية الفرعية لمنظمة الاونسكو عام ١٩٤٩ في بيروت.
اذكر دراسة علمية قام بها مرة احد الطلاب الجامعيين - منذ مدة بعيدة - في الموضوع التالي: «ما هي نظرة المجتمع الى المرأة؟» قصر فيها الباحث استجوابه على محيط الطلاب. واذكر ان معظم الاجوبة التي حصل عليها حينذاك تعكس نظرة المجتمع التقليدية الى المرأة وتكاد تخلو من اية شخصية.
ولو قمنا اليوم ببحث مماثل في الموضوع في محيط الطلاب وسواهم لا بد ان نلمح اتجاهاً جديداً في اجوبتهم. على اننا نفترض هذا الاتجاه افتراضاً لاننا لا نستطيع الجزم فيه ما لم نعززه بطريقة الاستجواب والاحصاء.
مثل هذه الدراسات خليقة بأن تحدث انقلاباً في تفكيرنا الاجتماعي. فبيننا خطباء وادباء ما زالوا يتغنون بتأثير المرأة في الرجل على الطريقة القديمة، ناسين انهم بذلك
يخفضون من شأنها لانهم يجعلونها آلة جامدة منفعلة تؤثر من غير ان تحس بتأثيرها. يتمثلونها كصورة موحية او منظر طبيعي أو خطب جلل يفتق خيال الفنانين ويحرك همم الابطال. وينسون ان المرأة التي تحس بنفوذها عند الرجل قد تستغل هذا النفوذ للشر كما قد تستغله للخير. ومن الصنف الاول كان تأثير دليلة في حياة شمشون ونفوذ مدام دو بومبادور في بلاط لويس الخامس عشر.
لقد اعتمدت المرأة فيما مضى على التأثير والايحاء حين سدت في وجهها سبل النشاط الذاتي فحاولت الوصول الى رغائبها بأساليب تبرهن عن عجزها.
اما امرأة اليوم فليست آلة تأثير فحسب لكنها عضو حي يتفاعل مع محيطه ويتأثر به كما يؤثر فيه ولا يقنع بتأثير موحد الجهة. وليس ادل على هذا التطور في وضع المرأة من اقبالها على العمل في جميع ادوار حياتها، عازبة وذات زوج، فتية ومتقدمة في السن، فكأنها تضع نصب عينيها اقطاب النشاط النسوي في التاريخ، اللواتي لم يقنعن بالتأثير والكلام بل اقتحمن اشق الاعمال وجابهن اصعب الظروف.
لا اريد بهذا ان اقلل من اهمية المظاهرات والدعايات المنظمة ولا انسى ان تكتل النساء الغربيات ومظاهراتهن وحملاتهن الصحافية والخطابية كانت من اهم عوامل نجاحهن في الحصول على الحق السياسي لكن خوض المعركة بالذات اشد وقعا من السعي لاثارتها، والمرأة التي تتطوع لتعليم الاميين وتنشئ المدارس النموذجية افضل من التي تسعى بالكلام لمكافحة الجهل والامية.
