وقفت عارية بين التماثيل كدرّه
تحمل الثغر على الضحك وفي العينين عبره
ومضى يقدر بالازميل في المرمر قدره
لم تحاول قط ان تثني جيداً فتضره
لبثت في وضعها ذلك يوماً مستمره
انه يعمل للفن وهل فيه معره
هي لولا الجوع لم ترضَ بأن تصبر صبره
وهو في عالمه ... لو يدرك العالم سره
نظرةً يلقي عليها وعلى المرمر نظره
مالت الشمس الى الغرب .. وما زال مجدا
واستحال المرمر المسنون حتى صار قدا
فانحنت - من كفها - أنملة تسند خدا
فانجلى الصدر .. وفوق الصدر شيء يتحدى
واستدار البطن - في طيته - احسن جدا
قال « لولا الجوع لم يبلغ من الغادة حدا »
ثم مد الراحة اليمنى على الفخذين مدا
إنه يخفي الذي فتنته عادت أشدا
فاطال الساق حتى شارفت في الكعب ضدا
ويراها قدماً يحلو لها ان تستبدا
ودجا الليل ... فلم يلق الى الغادة بالا
غاية الفنان ان يبلغ بالفن كالا
فطوى الشعر على الرأس كموج يتوالى
فجلا الجبهة غراء كمرآة تلالا
فأرى لمحة عينين تطيلان السؤالا
فلوى في جانب الاذن من الصدغ هلالا
واقام الانف كالابرة حسناً واعتدالا
ثم لما جاء للثغر رأى فيه احتمالا
قال « لو يفتر هذا الثغر لازداد جمالا »
واذا بالصوت - صوت الديك - صبحاً يتعالى
تمت الدمية ... لا ينقصها غير الحوار
فانثنى يضحك للغادة في شبه اعتذار
« انظري صنع يدي فهو جدير باعتبار
انها معجزة خالدة .. مثل النهار ! »
ورآها لم تحرك شفة .. والجسم عار
فدنا منها وفي اضلعه جمرة نار
واذا بالخود في موضعها - مثل السوار
جسد من غير روح مستمر في انتظار
انما الثغر - كما يهواه - في حال افترار
وانحنى بين يديها باكياً سوء مآله
وطوى حاشية الثوب عليها - في اعتلاله
« انا ادعوك .. وهل يسمع ميت صوت واله
« انا افديك .. وهل يجديك شيبي في ابتهاله !؟ »
ثم القى نظرة حائرة نحو مثاله
فرآه يحدق الطرف .. ولا يرثي لحاله
فأتى في اليأس امراً لم يكن قط بباله
اذ رمى قطعة صلد شوهت بعض جماله
ومضى يعثر بالشيء ويهذي في اختباله
وقف العالم ما بين الجماهير خطيبا
قال « تروي بعثة الشرق لنا امراً عجيبا
بينما كانوا يجوبون الصحاريّ .. جنوبا
عثروا فيها بتمثال - سأجلوه قريبا
يعلم الله ، لئن ألفي في الزند معيبا
فهو ما زال على العيبة يستدمي القلوبا
إنه اجمل تمثال لحسناء اصيبا »
وازاح الستر عنه فاستهل الكل « طوبى
خلدت في المرمر الصلد يد الفن حبيبا ! »
★
★
★
★