هوذا الجرس يقرع .. ما اطول ما انتظرته ! فاسارع واسحب يدي من حوض الماء الذي رُصّت فيه زجاجات فارغة تنتظر الغسل لتعبأ بالبيرة من جديد ثم تحمل الى حانات المدينة وعلب ليلها .. فما تلبث ان تنصبّ في افواه ظمأى لا تعرف الري وتعود اليّ بسرعة فارغة تنتظر الغسل .
وادير فيما حولي عينين زائغتين ابحث عن خرقة .. وأجد واحدة فاروح اجفف اصابعي المنغضة لطول ما نقعت بالماء . اجففها اصبعاً اصبعاً فالاحظ خلو يدي من الخاتم الذهبي .. طالما حلمت ان ألبس خاتماً ، أيّ خاتم ، واحداً ذا حجر لماع احمر كالذي كنت اراه في واجهات الصاغة .. وكنت احلم دائماً ان اضعه في البنصر الايمن .. وجمعت مرة مبلغاً ووعدت نفسي بالخاتم الذهبي ذي الحجر الاحمر وما كنت ادري ان ابي سيموت فاعطي امي النقود واحزن على ابي كثيراً ولا اعود اسمح لنفسي ان افكر بالخاتم .
ولكني املك واحداً الان .. خاتم خطبة ، حلقة بسيطة صفراء اطوق بها اصبعي اعطاها لي عندما قال لي : « ستكونين زوجتي .. » وفرحت : سأكون زوجته وسألبس الخاتم ..
واشتهيت ان يعطيني الى جانب الحلقة الصفراء خاتماً آخر ذا طبعة حمراء .. ولكنه لم يفعل .. انه فقير مثلي وما كان في طوقه ان يهديني اكثر من خاتم الخطبة وثوباً من الحرير الازرق وزجاجة عطر لم افتحها بعد .
ومددت يدي الى جيبي واخرجت كيساً جلدياً صغيراً اخرجت منه الخاتم حيث خبأته خشية ان يذهب الماء والصابون بلمعانه .. ولبسته .. والتفت حولي فاذا رفيقاتي العاملات قد تسربن كلهن الى بيوتهن القريبة . لعلهن الآن جالسات الى طعام دافئ .. او مستلقيات على فراش .. لشد ما تؤلمني رجلاي ، ولكن عليّ ان انتظر امام المصنع قليلاً فقد يمر بي بسيارة المصنع ويحملني .. فما في طوقي ان اعود في هذا المساء البارد المطير مشياً على قدمي الى المدينة .. نعم يحملني مع صناديق الزجاجات الى المدينة ويسلمني للبيت ، ويطوف هو يوزع صناديق البيرة على الزبائن .. اجل سأنتظر ، فانا تعبة ويكفي اني طويت المسافة في الصباح مشياً . فمررت بأشياء كثيرة ، بيوت لا تزال مغلقة المخادع ، اناس يسيرون الى اعمالهم نصف نائمين فما تزال في عيونهم احلام لم تُمتح . وارى ايضاً بائعات اللبن والبيض ، وارى سحاباً ينعقد فوق مداخن البيوت .
وامشي ، وامشي طويلاً قبل ان اصل . وكأني بصاحب المصنع قد اقامه في آخر الدنيا . واتذكر القطار الذي كنت كلما شاهدته وانا صغيرة اخاله سائراً الى آخر الدنيا ، الى ما لا نهاية ، وأصل اخيراً مع العاملات الاخريات في الوقت نفسه ولكنني اترك بيتي قبلهن باكثر من ساعة .. بيتي بعيد .. في مكان عتيق من المدينة .. هناك ولدت وهناك عشت .. ولا اترك بيتي الا بعد ان اتزوج ، اجل سأتزوج فلديّ خاتم ورجل احبه سيأخذني الى بيته واعيش سيدة فلا اغسل الزجاجات بعد . ولا افيق قبل الديكة .. ولا تدمي قدمي الرحلة بين المصنع والمدينة .. ان رجلي فقير ولكنه قوي وطيب ، وسأبدو الى جانبه قوية فلا اشعر بضآلتي كما احس الان حين تمر بي واحدة من اولئك المعطرات الانيقات . ان ثوبي الازرق الذي اعطاه لي جميل وسيشتري لي واحداً غيره . و « هو » انه قوي جميل هكذا قالت عنه فتيات المصنع .. وكثيرات منهن حسدنني وبعضهن فرح لي فقلن يوم خطبت اليه : « سترتاحين من هذا الشقاء » . وقالت لي واحدة خبيثة : « اني صائدة ماهرة اذ اوقعت عاملاً في شباكي ولما ينقض على عملي في المصنع شهران » ، سمعتها تقول هذا ولم اكرهها ، لعلها تتمنى هي الاخرى شخصاً يريحها من بعض ما هي فيه . هذا حقها ، لِمَ لا تكون هي وانا وكلنا مثل النسوة المدللات اللواتي يجلسن على شرفات بيوتهن يثرثرن ويحتسين القهوة ويرفعن الفناجين الى افواههن بأيدٍ عاجية سمينة حليت بالخواتم اللامعة

