ويضحكن منا كلما مررنا بهن بثيابنا العتيقة .
الطريق مقفر . المساء ملفع بضباب . وهذا الرذاذ يتساقط على وشاحي الصوفي الذي لففت به رأسي ولما تأت السيارة به وبالزجاجات بعد ! لم تأخر ؟ تراه غادر المصنع مبكراً على غير عادة فلم أحس به وسط تلك الدوامة من حركة الآلات والآدميين ؟ بدأت أخاف والدرب طويل طويل .. إلى آخر الدنيا .. حيث بيتنا العتيق ، وأمي الفضية الشعر ، ونار عليها قدر حساء ، وبي جوع وبي شوق لأمي وله ، نجلس ثلاثتنا حول النار ونتحدث في أشياء لا تشبه الزجاجات ولا دخان المصنع ، ونحلم بأشياء لا تعرفها أيامنا . تراه مر بي ولم يرني ؟ وسمعت صوت سيارة يخدش صمت المساء لعله هو ؟ وبدت من بعيد العينان المضيئتان ، واقتربتا مني رويداً رويداً . لا . لم تكن سيارة الشحن الكبيرة ذات الصرير المزعج ، بل كانت واحدة من سيارات المترفين خفيفة رشيقة وكان يقودها ... ولكنه لم يقف . ترى لم ؟ أنا واثقة من أنه رآني ، فعينا السيارة تشقان عتمة المساء ، وقد تصديت لها حتى خلتها ستدوسني . ولما فاتني صحت بقوة ، فوقف ، وعدوت اليه وفتح الباب لي . وهممت بأن أرفع رجلي ولكنني أجفلت وشعرت بعينين قبيحتين تحدجاني من وراء نظارتين سوداوي الاطار . من كان ؟ لا أدري ! لعله المدير الذي نعرفه بالاسم فقط : وتمل ودفع جسمه إلى الأمام قليلاً سائلاً بكبرياء : « من تكون هذه ؟ » ولم يزد بل حرك يداً فيها سيجار ضخم مشتعل
أن ابتعدي . فما كان من الرجل الذي احبه ويحبني ، الرجل الذي شدني اليه وقال « ستكونين زوجتي » إلا أن نحاني عن الباب ثم أطبقه في وجهي برفق أو عنف لا أدري . ومرت السيارة وخلتني للعاصفة وحيدة ، وفارت في عيني دموع سخية ولفتني موجة كراهية ، ورقصت أمام عيني صور الأشياء ضخمة تمتنع على ضعفي ، مستعلية شامخة لا ينالها الزاحفون على بطونهم أمثالي . كلها
جبار - البيوت ، الآدميون ، الأشجار ، السيارات ، حتى زجاجات البيرة الفارغة ، خلت الواحدة منها في طول المارد ، ووسط هذه الدنيا من الشوامخ رأيت نفسي معه .. مع الرجل الذي اعطاني خاتماً وقال : « ستكونين زوجتي » . وكنا قزمين ندب على الأرض تمطى فلا نبلغ طول اصبع المدير التي نحتني بإشارة عن السيارة وخلتني للعاصفة .
