

جاءتني في الصباح الباكر ، تسعى الى رزقها ، عجوز في الستين وقالت لي راجية : « هات ثيابك اغسلها ، واعطني أقل ما تشائين » .
يا ويلتي ، أعجوز تغسل ثيابي ؟ أين يدي ! أمتعبة واهنة ترنو الى نصرتي من خلال قروش معدودة ؟ فأين رحمتي ؟! أكانت لهذه التي امامي احلام في امسها البعيد ؟
أغمرتها اجنحة الصبا ، فطارت مزهوة في عالم مسحور بالنور ؟ أرأت نفسها يوماً ، من خلال حدس الانونة ، ترتع في بيت هنيء بين أهل واصحاب ، وتدافعت الى فكرها معاني الحياة في قالب الشيخوخة ، فأملت بعيش ظليل في اجوائها ، بعد ارهاق الحداثة ، والعيش الكليل ؟؟..
أتود العجوز غسل ثيابي ؟ لماذا لا تطلب روحي لتغسلها من ادران الانانية ، وتمسح عنها غبار العزلة المقيتة ، منعتني ان احس كياناً غير كياني ، أو أعبأ بوجود غير وجودي !!
أبيديها المعروقتين تغسل ثيابي ؛ في الحين الذي ترنو أجفانها الذاهلة الى قماشي الحريري الذي اشتريته ، يوم كانت تلتبس بين اضواء الظلام ، مخرجاً ليأسها .
أم تتقوس عظام ظهرها الصلد ، لتنثني مجهدة فوق كومة الغسيل تنال مني عليه قروشاً !!
لماذا لا تطلب العجوز نفسي ، لتغسل عنها ازبة الجود ، فتلهب قلبي بالنبل الكبير ، وترد الى فكري ما غيبه سهل العيش عني ؟
بل لماذا لا تطلب ضميري ، لتنزع منه خياله السقيم ، وتهمس في اذني قولة الحق عن نصرة الضعيف في حيز العمل !! ولماذا لا تسائلني صريحة ، عن اثر العلم في وثبة الروح ، وعن مكانه في خفقة الوجدان ، وفي حيث تقف الرحمة منه ؟ ومن أين يبدأ تطبيقه في كيان الامة الباكي !
لماذا لا ترسم العجوز لعيني صورة ، للجمع الهائل من مثيلاتها ، يستصرخن القلوب الفتية قبل تحجرها ، لماذا لا تريني حرقة الدموع على الوجنات المكدودة ، واشلاء الرجاء في النفوس الكهلة المتخاذلة ...
لماذا لا تفتح لي نفسها ، لأرى فيها ما توحيه الكتب في يدي ، حين امر بها صباحاً ، وتفهمني كيف تهزأ بترحمها الثقيل تحت ابطي ، في الآن الذي يثوي القلب مني تافها ، بارداً ، ينسج من اهازيج المساء ، انشودة لا تقيها حر ولا برد ولا جوع !
يا سيدتي العجوز : خذي روحي واغسليها ، ولك مني ما تشائين .
الجامعة الاميركية

