
ان فن الغناء من الامور الاولية في حضارتنا الحالية بدليل ما يبدي من العواطف الرقيقة والاحساس والشعور في صميم الانسان . وما يثيره في القلوب من الحياة السعيدة ووجود الذاتية الضائعة تحت عبء الهموم والكوارث .
واننا نرى ان هذا الفن ليس من الامور التي يستهان بها . بل نراه اذا ما ماشيْنا التاريخ من حضارة الاغريق الى يومنا هذا الدعامة الاولى في بناء الحياة .
وقد نظر اليه الانسان نظرة قدسية فادخله في عبادته وجعله قسماً من متممات العبادة وافسح له مجالاً واسعاً في هياكله . وكفى بمزامير داوود شاهداً وقول الآية ايضا « ورتّل القرآن ترتيلاً » فاثرهما ظاهر بيّن حتى يومنا هذا .
ولقد بحث علماء النفس في هذا الموضوع واحاطوا به من كل اطرافه واقرّوا بعد درس وتمحيص ان عمل الموسيقى في النفس اشدّ تأثيراً فيها من الف خطيب في الف مقال مروّض .
ولذا نرى ان الدول جمعاء قد ادخلته في جيوشها واحلت الاناشيد الوطنية منزلة اولى .
ولا يخفى ان الفنون تدل على حسن الذوق ورقة الطبع وكلما امعن الانسان في فنون الجمال دلّ على رقة ذوقه ودقة احساسه .
ولقد كان العرب وهم المتأثرون بحضارة الاغريق يعدّون الغناء والموسيقى من اللذائذ التي لا يستغنى عنها كما هي الحال الان في اوربا واميركا . فهي من متع الطبيعة لا تضرّ بالوقار بل تُعد من ادوات الظرف والكمال . ولا شك ان هذا كان يتفق مع رقيهم وحضارتهم .
واخذ اهل العلم بتعلمه من غير تكبّر فشرّفت هذه الصناعة باقبال الكبراء عليها بحيث لم تكن في شرفها دون غيرها من العلوم لانهم عرفوا ان الالحان تغبط الارواح وتبعث النشاط في النفوس . وبها يجسر الجبان في ساحات الوغى ويكرم الشحيح ويلين القاسي ويقوى الضعيف .
ومن اشتهر من العرب يعقوب بن
اسحق الكندي فيلسوف العرب . واحمد بن الطيب السرخسي . وثابت بن قره . وعبد الملك بن مروان . وابن باجه الفيلسوف الاندلسي على جلالة قدره وغيرهم . وكلهم من عليّة القوم واصحاب المجد والشرف كما دوّن التاريخ تراجم أحوالهم . فحبذا لو نقتدي باسلافنا في اكبار هذا الفن واجلاله والاقبال عليه . فنُنهض ذلك الاثر الجميل وذلك الادب الرفيع في هذا الشرق الذي اخذ يبصر النور المضاع بعد ان هجره وغطّ في ليل من الحول مظلم .

