على سؤال حول معنى الحياة، اجابت الكثرة الساحقة من الطالبات والطلاب: «ابغي من الحياة الظفر» - الظفر في العمل، وفي الزواج، الظفر في العافية - او يكون الظفر منية كل نفس، اذن؟ هكذا يقرّرون. ونحن في سبيل البحث عنه قد تبدأ عيوننا التمييز بين النور والظلمة، بين الحق والباطل..
نحن نسعى لنظفر، فمتى نفلح، ومتى نخفق؟ متى تنقاد لنا الظروف صاغرة مطواعة، ومتى تجانبنا فلا نصيب من خيرها الا نزراً يسيراً؟
نظرة محقق على الحياة، مخارجها ومداخلها، خفاياها ومكنوناتها، تكشف عن اسباب الظفر. وباختلاف المحققين انفسهم يختلف مفهومه. منهم من تبهر عينيه مادية هذا العصر، ويلفي الظفر فقط في التسلّح المادي من جاه ومال... ومنهم ما ينساق الى المنتهى الاخر فيضرب صفحاً على المادة، ويدعو الى النجاح عن طريق الروحانيات والعودة الى الله. وثمة فريق ثالث يعتدل في الجمع بين الاثنين بآن واحد... وفي رأيي، ان مرد الظفر لدى الفئات الثلاث، يكاد يكون الخلق الايجابي.
★
يلقاك صاحبه، فهمه مسح جراحات قلبك، وان كانت عنده من الهموم فوق ما عندك.. يلقاك باشاً مهللاً فلا تلبث غيوم نفسك المتبلدة ان تنقشع وتذوب، وتغدو خفيفاً ناعم البال... إنه من النوع الذي يشدّ بك الى فوق، دائماً الى فوق. يحب الحياة، يمرّ بنكباتها مرّاً خاطفاً، وامام مباهجها يتأنى هنيهات طوالاً. يحب الناس وفي حسناتهم دون سيئاتهم ينعم الفكر، فلا يضخم الثانية على حساب الاولى.
ولصاحب الخلق الايجابي فارق اساسي هو الارادة القوية - الارادة التي تتحدى الامكانيات الضلال وتجعل منها ركائز تعتمد عليها لبلوغ هدف بعيد الطموح، لكأنما هو يقول في غمرة وثوقه من نفسه: إن ما هو غير مستحيل فهو ممكن، ومتى كان ممكناً فما الذي يحول دوني واياه؟
والحياة ما هي؟؟ سفرة طويلة، يقولون، يكتنفها المجهول. وكلما سمّت رسالة الانسان وعلا شأنه ازدادت خطورة المعابر التي يجتازها وانبثت في عرضها الشراك والعقد، ينصبها له القدر حيناً واخوه الانسان حيناً آخر، لاختبار قدرته على الصمود
والثبات في وجه الزوابع... الحياة تصفعنا الف صفة قبل ان تطيب خاطرنا بقبله واحدة، من بعيد تلوح بالسعادة لنا، فنهش لها، وتقبل عليها، ثم لا يلبث سرابها الخادع ان يدير ويتوارى.
هذه هي الحياة - هذا وجهها السافر، ولكن الانسان الايجابي، الانسان ذا الارادة الغلابة، بوسعه ان يقبض على مقدراته بجمع يده، ويفرض على الحياة نفسه، ويرسم لظفره تصميماً، ولثوّه يقوم منفذاً تصميمه، قافزاً صعداً، حتى يأتي الى القمة، فخوراً يتهادى، وقد طابت في فمه خمرة النصر التي لا تعدلها في الارض خمرة.
حسبي تمثيلاً حياة هلن كالر، اعجوبة هذا القرن، التي زارت بيروت من ثلاث سنين وحلت ضيفة على هذا المعهد كيف تحدّت بايجابيتها وارادتها، العمى والصمم معاً - الدّ عدوي الانسان، ولم يحل الفراغ المعتم الذي تعيش فيه دون بلوغها، في مسالك العزة، شأواً لا يضاهى...
كلما عاد الى خاطري انبساط الطمأنينة والرضى على وجهها النير، وانتصار العزيمة في حركاتها وسكناتها، استعبرت عيناي من جديد وآمنت بالانسان الفذ، يخلق من اللاشيء، متى اراد، اشياء خارقة يحار امامها العقل المحدود.
ومن قال، إن ارادة الصبية المتغنية ترتفع خفيفة في الميزان قبالة ارادة الشاب؟ ومن قال، إن عزيمتها، على رهافة الطبع الانثوي، لا تتأخذ وتطورات الكون فوق ما يتأخذ هو؟
★
تجيء في بالي الان، حكاية اخوين متناقضي الطبع شاءت امهما التحقق من مدى اصالة ما تعلمه فيها من سلبية وايجابية وفي ليلة الميلاد وضعت للسلبي منها سيارة صغيرة زرقاء ذات محرك؛ وللايجابي نعل حصان... وكان الصباح، واستفاق الاخوان يحتضن كل منها هديته. وسألت الام الاول: هل اعجبتك هديتك؟ فقلب شفتيه واجاب: انها زرقاء وكنت افضلها حمراء. ومحركها لا يلبث ان ينكسر فلا تعود تسير! اما الثاني فاجاب: لكم احببت هديتي يا ماما. اشكري السنتنا كلوز عني.. ما ذنبه هو؟ انا واثق انه اهداني حصاناً حقيقياً، لكن الحصان هرب في الليل تاركاً لي نعله هذا الجميل؟!
اي تباين فاضح نلحظه بين انسان وانسان؟ ولو كان للناس ان يعرفوا كنه الحق هذا، لوفروا على انفسهم عناء كبيراً ولادركوا ان على ارادتهم هم، تتوقف سعادتهم او الشقاء، سويداء قلوبهم او فرحتها والبهجة.
بوسعنا اذن ان ننزل في حكم الواقع ان الحياة كما نريدها نحن، لا كما تجيئنا تلقائياً. ولا اعني ان بمقدورنا اتقاء لطمه


