غدر محتوم ، وانما في مكنة الانسان الايجابي ان يتلقى ما تقذفه به الحياة من مفاجآت بصدر رحب ، سواء عنده أكانت مفاجآت خير او شر ، وان يكيفها ، واعياً ، ورغبته ، ويسخرها عبدةً لأهوائه ...
ما بالنا لا نتعدى الافراد الى الشعوب والامم ، ولنا من اسفار تاريخنا الضخمة ادلُّ الشواهد . أتكون الامم المتفوقة هذه التي تعالج قضاياها بروح السلبية القصيرة النظر ، ام تلك التي لها من مرونتها وحنكتها وبعد نظرها خير رادع دون الجزم والتسرّع واقفال الطرق من اولها ؟ ومأساة فلسطين التي لما تزل دماؤها في صدورنا تفور ، والتي تتطور بين يوم ويوم ، من فاجع الى افجع ، ترى ، أليس لسلبيتنا اي نصيب في تقريرها ؟ هل صحيح أن الحق كل الحق يقع على السياسات العليا التي حاكت باصابعها الاثيمة فصول هذه المأساة المروّعة ؟
لقد برهنت الاحداث ان السلبية ضعف والايجابية قوة ، واخشى ان صدر هذا الزمان لم يعد يتسع للضعيف الخنوع ، وان للايجابي وحده املاً بالفوز والغلبة . وما رأيت قط باكياً شاكياً يرقى في المناصب ، انيّ له ان يتبين طريقه من خلال دموعه وتأففاته .
ميزة الانسان المثقف المتزن ، ان في استطاعته ، متى عزم ، محوَ آثار السلبية ، حتى المتأصلة منها في نفسه ، متى ثبت لديه انها تجرّه الى الويل والى ويلات . ومن هنا نقطة الانطلاق الى حياة اوفر حظاً من النجاح . ويقيني ، انه لو كان للشعوب العربية ان تحدَّ من سلبيتها ، من يدري ماذا كان يؤول اليه أمرها ؟ من يدري ، فقد « تغير وجه التاريخ ! » « ان الشيء لا يكون ما لم يكن عجباً ! »
ان الجيل الجديد الذي تطلعه امثال هذه المعاهد العالية ، هو الجيل الذي
يتفهم الحياة بروح الخلق الايجابي البناء، ويخرج الى العالم ، ملء نفسه الثقة ، من انه ناجح حتماً وواصل الى تحقيق امانيه، ان لم يكن اليوم او غداً ، فبعد عام او عشرة اعوام - هؤلاء لا يعرف الوهن او اليأس الى قلوبهم سبيلاً ، هؤلاء لا يتحدثون عن فشلهم وعن عزمهم الزائل التليد - تلك الفترة من حياتهم التي اورقت وجنت ثم اندثرت . هؤلاء لا يتلفتون الى الوراء إلا لعبرة يستشعرونها ولأمثولة يتعظون بها ولتحقيق خطأ لا
يعودون اليه - هؤلاء لهم من حاضرهم ومستقبلهم منسرح رحب تحلق فيه اخيلتهم الطلقة التي لا ترفع يداً الا لتركز حجراً جديداً في البناء الانساني العظيم .
★
قيل : « في انتهاء المدرسة بدء الحياة » - فالخير كل الخير في حياة نبدأها اليوم عمادها ايجابية متفائلة لا تقهر ولا يزعزع مرافقها جبانة او تردّد، يشع من صميمها مثل الايمان والعزيمة والجدّ - منارتنا الى شاطئ الظفر المنشود .

