نقول : « فلان حسن الذوق » اذا كان يحسن تمييز الجمال من القبح . وهي صفة قد تلازم صاحبها وتسيطر عليه حتى تجعله يتألم من مناظر القبح او مظاهره ، فهو لا يطيق ان يرتدي ثوباً قبيح الشكل ولا ان يسمع لحناً سمجاً ولا ان يمر بمظهر تبذل او يصغي الى كلمات شتيمة من غير ان يثور شعوره ، وان هو حاول ان يكبته . ولا شك ان الذي جدع انف تمثال الشهداء في ساحة البرج كان يتألم من منظره . من هذا الصنف سيدة اشترت مرة مجموعة شعر بودلير « زهرات الشر » مطبوعة في استانبول اثناء الحرب العالمية الاخيرة . ولما تصفحت الكتاب وجدته مشوهاً باغلاط التهجئة والاخطاء المطبعية . فما كان منها الا ان احرقت الكتاب لكي لا تقع عيناها مرة اخرى على الاغلاط التي تشوهه . من هذا الطراز ايضاً اولئك الذين يفضلون ان يخسروا ثروة او وظيفة على ان يبتذلوا في كلامهم او شخصيتهم ، ويؤثرون العطش على شرب المياه الآسنة .
يستطيع الانسان ان يخفي من نفسه اشياء كثيرة . يستطيع ان يتظاهر بما ليس فيه ويقول ما لا يعنيه ، ويكتب ما لم يختبره ولم يؤمن به . لكن شيئاً واحداً لا يستطيع اخفاءه ، وهو ذوقه . لانه يظهر في مشيته وحركاته وصورته الفوتوغرافية ، وفي حديثه وكتابته ، وفي ملبسه ومسكنه والاثاث الذي ينتقيه . ومن هنا كان تثقيف الذوق من اهم وجوه الثقافة المدرسية والشخصية .
تثقيف الذوق يتوقف على امرين : الاستعداد الخاص في كل انسان للتمييز بين الجميل والقبيح . ثم تأثير التربية والبيئة . ففي كل انسان استعداد فطري للذوق لكن هذا الاستعداد يكون اقوى في بعض الناس منه في البعض الآخر . مثلاً نجد بعض الاطفال اشد احساساً واقوى ملاحظة من غيرهم . فهؤلاء اكثر استعداداً للنقد والحكم . لكن اهم عامل في تكوين الذوق هو البيئة . فالذوق في معظمه كسبي لا فطري . لهذا تشتهر بعض الشعوب بحسن الذوق لانها ذات مقاييس ذوقية متوارثة يأخذها الاحفاد عن الجدود وتكون تلك المقاييس اثاراً فنية رفيعة يحيطون بها الولد منذ نعومة اظفاره . وجواً من حسن الذوق يتجلى في ترتيب المسكن والاثاث واساليب في المعيشة والمعاشرة والمظهر والتعبير يقرها الذوق السليم .
الذوق عام او خاص . فقد يجيد الانسان الحكم في اكثر الامور او تقتصر مقدرته الذوقية على ناحية معينة فتجد امرأة حسنة الذوق في مظهرها وهندامها ولكن يعوزها حسن الذوق في الكلام . او تجيد ترتيب شعرها ولا تجيد ترتيب بيتها . ورب شاعر يجيد نظم الشعر ويسيء القاءه . ورسام يحسن الرسم ويخطيء في النقد .
في المدارس الابتدائية والثانوية تدرس مبادئ الذوق الفني بما يتلقاه الطلاب من مبادئ الفنون الجميلة : الرسم والموسيقى والغناء . وبما يمارسونه من نقد الادب وتذوقه . وعلى مقاعد الدراسة يكتسبون حسن التلفظ والاداء والقدرة على التحليل . وفي صفوف الرياضة يتدربون على رشاقة الحركة والمشية . وفي صفوف الفن اليدوي يحاولون تنسيق الخطوط والالوان وحسن الجمع بينها .
لكن المدارس عينها تستطيع ان تعطي دروساً في فساد الذوق . اذا وضعت بين ايديهم اثاراً ادبية ضعيفة القيمة ، وجرائد ومجلات رخيصة المظهر والتفكير . اذا علمت الطلاب ان يتصنعوا في الالقاء ، وان يغنوا غناءً رديئاً ميزته الصياح وجهل الاصول . وان يرسموا رسماً تقليدياً خالياً من الشخصية ، وان يقرأوا الادب والشعر قراءة سطحية سيئة الاداء ، تكتفي بالتفسير دون تمييز عناصر الجمال . والمدارس من هذا النوع كثيرة في محيطنا .
على ان بيئة البيت والمجتمع قد تسد نقص المدرسة . فالولد الذي يعيش في بيت حسن الترتيب وليس بالضرورة فاخر الاثاث ، بين مربين يرهفون حواسه بملاحظة ما خفي من جمال الطبيعة وجمال الفن ، في مدينة جميلة الابنية واسعة الشوارع خالية من الشحاذين ذات حدائق ومتاحف ومسارح وحفلات موسيقية ، هذا الولد يتلقى بصورة لا شعورية مبادئ الذوق الفني .
نأتي الى تثقيف الذوق في غير موضوع الفنون الجميلة اعني الذوق الاجتماعي والخلقي . ولعله اسهل اكتساباً من ذوق الفن لانه يرتكز على قاعدة واحدة جامعة وهي ان يجتنب الواحد منا ازعاج غيره واثارة ملله او نفوره . قد يتطلب هذا الامر دقة في الملاحظة ورهافة في الاحساس تمكننا من ان نحرز شعور غيرنا وندرك ما يخفيه من حالته النفسية . ولكن في


