الاستاذ جبران مسعود استاذ M. A. في الجامعة الاميركية وهو ممن عالجوا القصة، وله فيها اكثر من كتاب وامتاز بتفهمه لابن الشارع وللطبقة المعبرة التي لا يأبه بها احد في الناس... استمع اليه واصفاً ومهدداً الآمال البائسة !؟ يسرنا ان نقدم الاستاذ مسعود الى قراء «صوت المرأة» في قصة من صميم حياتنا - «حمدون».
من يوم ركب «السلّ» ظهره، وتشبث الجبلان بكتفيه يخلعانها الى الوراء، وهما تنوءان وتكبّان مذعورتين فوق صدره، همّت برأسه الهموم وراحت تتعتعه سوداء جبارة. وما لبث عالمه ان اخذ يضيق ويضيق، تارة يتخذ شكل وليمة، وتارة يتخذ حجم فراش، وطوراً يتقلص لقمة، حتى استقر اخيراً في قعر سله: فاذا سله حياته، ودنياه، تمتلئ بامتلائه بأغراض الناس ومجبوحة الناس، وتصفر ما بقي فارغاً مكشراً. ولكم طرح سله ارضاً، في غفلة من الاعين، وانقض عليه بوسعه رفساً وركلاً، ويودع كل ضربة ضمّة مما يعتور قلبه من عاصف الحقد، مرفقاً سمته بشتيمة حادة تلعن الحياة، ومن في الحياة، وما في الحياة !
يا حياة الحية، حياته ! ما كان اشقاه، هو، حمدون، وما كان اجهله، يوم اعتقد ان السل سيضع حداً لاوجاعه، وانه سيقيه — ما عاش — ذل السؤال. لقد كان غرّاً لا يرى في وجه الحياة الا كل ملاحة، ولا يلمح في المستقبل الا خيراً يرين على الصعاب، لذلك قال في نفسه ذات يوم: «اسمع، حمدون، اسمع جيداً. كفاك تشرداً واستعطاء. شريد انت يا حمدون، كردي انت،
لفظتك جبالك، حيث لا وطن، الى حيث لا وطن. فاذا بك تطوف في شوارع بيروت، حليق الرأس، سائل المخاط، متشقق الرجلين، وقد تمزق الكيس الذي احتالت عليه امك فجعلت منه شبه رداء يكاد لا يستر عورة، تمد يدك الى السابلة حانياً رأسك جانباً بانكسار وماتاً بكلماتك شأن كل شحاذ كردي صغير... ثم اشترت لك امك علبة علكة، هي جنى اصابعها الهريئة بفعل الماء السالق والبوطاس، فاذا انت شحاذ من طراز جديد: شحاذ ارستوقراطي، لا يرميك الناس «بألله يعطيك»، ولكنهم يتبرمون بك: أفلم تلحق باحدى الفتيات يوماً من ساحة البرج حتى ساحة السراي القديمة، وانت
تنق، دون كلال: ياست، ياست نفعينا؟ حق لهم ان يتذمروا، فكم من الناس تلحق بهم تستجلبهم خمسة قروش، وهم ما مشوا امامك الا تهرباً من دفع خمسة قروش في الترام. ثم... أفتحمل الناس على ان ياكوا فرنكاتهم لغير ما شبع؟... اترك العلكة يا حمدون، اتبع ما نصحت لك به امك: خذ لك سلاً واعتصم بنقطة، تنج من مئة الناس، ومن سبّ قاطعي التذاكر في الترام.»
هكذا خاطب حمدون نفسه يومذاك: لقد كان النشاط ملء اهابه، والامل يهدهد روحه بالاماني العذاب. وكان خليقاً ان يحمل الدنيا كلها في سله كسباً للقمة الشريفة يأكلها فلا تقف في حلقومه حسكاً وشوكاً من احسان البشر.
ولكم زها حمدون يوم حمل السل. لقد كان في الواقع سلاً ولا كالسلال: قصب لماع ابيض، معلم بالخرز الازرق. والحق يقال ان حمدون لم يجن من يومه الاول في مهنته الجديدة غير اكبار بعض زملائه واستخفاف البعض الآخر:



