سمك البزرة يشتريها بخمسة قروش ، وقبعة من الخبز يتيمة . حتى أن نجم المغربي صاحب المطعم لقّب حمدون بـ « زبون الخمسة » . ولكن أنى لحمدون أن يتغلب على غريمه الآن ؟ لا بد له من أن يكون قوياً ، قوياً ، أجل ! أن الحياة ، كما يرى ، للقوي ! يجب أن يكون قوياً !
وغدا حمدون في اليوم التالي إلى عمله وكأنه قد أصبح حمدونين وكان أول عمل قام به أن هجم على صابر على حين غرة ، ورماه أرضاً وراح يكيل له الضربات ، والزملاء ساهمون وقد جبهتهم الحادثة فسُترتهم . ولم يعرف حمدون من أين كانت له تلك القوة ، ولم يعرف كيف قيض له أن يرغم أنف صابر ، إلا أنه أدرك شيئاً أساسياً لحياته أثلج صدره ، وهو أنه منذ تلك اللحظة قد فرض على الجماعة هيبته ، تلك الهيبة التي كانت تنمو كلما طرح أحدهم أرضاً أو كلما عقف حاجبيه بغضب .
زاد دخل حمدون ، حتى أنه عاف مطعم المغربي ، ويتّم شطر محل الفلافل ذي البابين الواسعين ، وراح يدفع خمسة وعشرين قرشاً ثمن رغيف حشي بخليط من الفلافل والبندورة والفجل والبقدونس تسبح كلها في بركة من الطحينة ! وما لبث أن أصبح من رواد المحل الدائمين المرموقين ، فإذا به لا يقبل بأن يأكل واقفاً بل راح يجلس إلى طاولة ، فيأتيه الخادم بالرغيف المحشو وزجاجة من الماء المثلج ، حتى إذا ما أنهى أكله رمى أمام صاحب المحل خمسة وثلاثين قرشاً وانصرف . ولم يكن يدخل وحده دائماً . فكثيراً ما كان يصطحب زميلاً له ، يشتري له رغيفاً ، وكثيراً ما كان يخرج من المحل وفي يده رغيف محشو يتقدم به من صابر ويقدمه له قائلاً :
- صابر ، خذ . كل .
ولكن لكمات حمدون ، وهي التي
كانت خير حجة يقنع بها زملاءه بضرورة الابتعاد عن نقطته ، ما كانت لتقنع الزبائن بصحة هذا المنطق . فكان الكثيرون يزورّون عن صاحبنا عندما يرون فيه تلك الفظاظة ويميلون بإغراضهم عنه إلى سواه ، فيكظم غيظه بعد لأي ، وينتظر فرصة أخرى يعتاض فيها من المزاحمين . وفي أحد الأيام انقض على أحد هؤلاء يضربه ويضربه وهو من حقده في شبه غيبوبة . إلا أنه استفاق من ذهوله على هزة زعزعت نخاعه ، فالتفت إلى فوق ، فإذا به أمام شرطي بلدي يحاول أن يهوي على رأسه كرة ثانية بهراوته . وهنا وثب حمدون بالشرطي والريق يسيل على ذقنه ، فانتشب في وجهه أظفاره ، ثم راح ينهش يديه ورجليه
وثيابه بسرعة جنونية ، وكأنه لا ينهش الشرطي الذي أمامه فحسب ، بل ينهش الظلم ، والحياة ، وكل من يقف بنفسه وبين حقه في العيش الشريف .
★
وفي ذات أمسية من أمسيات رمضان والحر يلهب الأجساد ، والعرق يسفح على الظهور وكأنه حشرات تدب مزعجة مدغدغة ، كان الصائمون قد نهضوا إلى الأفطار . وإذا بحمدون ، وقد أكل عهد الإصلاحية من وجهه وجسده ويديه ورجليه وقلبه وعينيه ، ينهض متثاقلاً من نقطته ، ويتوجه إلى مطعم المغربي ، فيرمي أمام صاحبه خمسة قروش معدنية ، ويحدّق إلى وجهه ملياً دون أن يتفوه بكلمة .

