في هذه الساعة، وفي كل ساعة من ساعات النهار والليل، ترتفع الى العذراء الوف العيون والايدي، كل ملهوف مريض كل بائس فقير يائس، كل انسان خانه الحظ ففقد ايمانه بالاحياء، كل ام معذبة، كل من يجابه خطراً، او يأمل شيئاً صعب المنال. كل منازع نفض الطبيب منه يداه، فاقترب من الآخرة، وكل جريح في جسده وفي روحه، يلتفت الى صورة مريم، ويتمتم بين شفتيه، يا ام يسوع. هذه البسمة، عند الألم، والرجاء، عند اليأس، تشع على جدران المعابد، والمتاحف، والبيوت، من خلال اطار ذهبي عتيق، هذه الابتسامة المشجعة المؤمّلة، العالقة على طرفي الشفتين، توحي الطمأنينة، وتبعث الرجاء.
احتلت صورة العذراء في المسيحية، المقام الذي كان لأدونيس في الوثنية، فبنيت لها معابد فخمة، ازدانت باروع التماثيل والصور، وتسابق الفنانون على تصوير العذارى، كل حسب ذوقه وايمانه، صوّروا ونحتوا ولادتها، كما صوروها ونحتوها اماً ترضع طفلها السماوي، ومفجوعة تبكي الهها.
تطورت صور العذراء بتطور الفلسفة المسيحية، فالمسيحية عند نشأتها في العهد الروماني، عهد الوثنية، كانت تكتفي بايقونات متواضعة، مرسومة بسذاجة طفولية، وتنسب اول صورة للعذراء، الى القديس لوقا الانجيلي، وعنها اخذ المصورون. لكن التصوير كان في اول نشأته، وكان المصورون يجهلون تنظيم المسافات في الصور، ويجهلون علم التشريح، أي انهم كانوا لم يتجرأوا بعد النظر الى الانسان، والطبيعة والاشياء.
ان فكرة الفقر والتواضع والألم، كانت تسيطر على المسيحية في بدء نشأتها، فظهر هذا التأثير في جميع صور تلك الحقبة، والمدرسة البيزنطية اعرق المدارس، فوضع الفنانون البيزنطيون قواعد للصور المقدسة، اصبحت نظاماً يتمشى عليه كل المصورين، وعذراء بيزنطة، نحيلة الجسد، سمراء قاتمة، رصينة المظهر، ترتدي وشاحاً ازرق على قميص حمراء، هي امرأة طاهرة نقية، لا اثر للانوثة والشهوة في جسدها وملامح
وجهها، فهي توحي الاحترام، وهي البتول النقية، والدة الاله. لم تتطور صور العذراء قبل القرن الرابع عشر، عندما تعرّف الفنان الى الطبيعة فولدت عذراء جديدة، وفتح دجوتو آفاقاً الى المصورين، فتنبهوا الى درس الطبيعة، وجسد الانسان. والقيم، والابعاد، واسبغ فرا انجليكو المصور الملائكي مسحة طهر، وصفاء، وتصوف، على وجه مريم، رفعتها عن بنات جنسها، وجردتها من كل ما هو حيواني، فاصبحت كأنها لا مادية، او كأنها رؤيا نازلة من السماء.
اطل ثالوث الفن على الدنيا، فأطلت الروائع، تملأ القصور، وتعج بها المعابد، وتستوقف الناس في الشوارع. ليوناردو، ميكل انج، ورافايل، رجال كآلهة الاساطير، يصورون وينحتون، يقرضون الشعر، ويؤلفون في الموسيقى والحساب والفلسفة، يرفعون القبب بجرأة ما تعرّف العالم عليها قبلهم، فمن خلال دروسهم، تجلت الامومة باسرارها وروعتها، وظهرت معاني جديدة في وجه العذراء؛ وتبدل الفقر بالغنى، فجلست العذراء على كراسي الذهب. واكتست بالبرنير والارجوان المرصع بالماس والياقوت، فهي سلطانة السماء والارض. واضفى عليها الفنانون فتنة الجمال النسائي الجذاب، فضمت ابنها الى صدرها بظرف واناقة، بحركة واثقة مطمئنة، لا تخلو من العظمة، ومسحت انامل الفنانين الطفل يسوع بمسحة الالوهة، فتناسقت معاني الوجهين، وكأن العذراء تقول بالتفاتها الى المؤمنين، ابني، هو ابن الله.
تنوعت العذارى وتطورت، بتطور الفلسفة، وتطور الفن، فعذراء الصخور رائعة ليوناردو دافنشي، هي مأساته الداخلية العميقة، هي صراع بين الانوار والظلمات، ينصب النور من علٍ، فتشع الوجوه والايدي، وتعمق الظلال، فالاشخاص اشباح، واللوحة سر عميق، وصمت، يسمع فيه حفيف اجنحة غير منظورة، تنقل الى سكان السماء اماني سكان الارض، وتتضح رويداً فكرة ليوناردو وهي انتصار النور على الظلمات. فنحسه يتغلغل في العتمة القاتمة، ونحسه يتلاشى شيئاً فشيئاً، الى


