قد تكون اوضاع الحياة عسيرة صعبة ، ولكن الروح تسمو وترتفع على كل عسير . يتعب الجسد ، حتى يكاد يرزح تحت ثقل متطلبات الحياة اليومية ، وهنا تحلق النفس عبر الحدود المادية . وفي هذا كله يجد الانسان ذاته في حاجة ماسة للشجاعة والاقدام ، « وما هو مقدار هذه الشجاعة الموجودة في عالمنا اليوم » . هكذا قالت لي احدى السيدات دون ان تفكر بالفدائيين الذين يلقون بأنفسهم بين ألسنة اللهب لينقذوا اطفالاً
من المساكن المحترقة ، ولا برجال الامن الذين يخاطرون بحياتهم فداء للامن ، أو بالجيوش الذين يحملون ارواحهم على اكفهم دفاعاً عن اوطانهم في سبيل الصراع ، ولا يعرفون ايعودون الى ذويهم واحبائهم ام لا ؛ هؤلاء الذين تخلوا عن المتع والملذات لينخرطوا في حماة القتال ! كانت محدثتي تفكر بالشجاعة المألوفة في حديثنا اليومي ، بتلك السيدة التي كانت تعمل بالرغم من مرض انضب معين حياتها ، وصراعها كان لابناء اخ سرعان ما هجروها ، وهي في امسّ حاجة لمساعدتهم ، اذ كانت تحت عملية خطرة دون ان تتأفف أو تشكو ؛ وكذلك ذكرت صديقتي حادث شاب يصارع ليجمع ثروة تمكنه من تأمين مستقبله وفجأة خسرها ، فعاد يبني من جديد ولكن كنز الشجاعة والامل لم ينضب من قلبه .
اني اعجب ممن يحسّ انه دون سواه ، ويشعر برثاء الغير له ، ويتمتع بنشوة هذا الاحساس ، وهناك الذين يخرجون امام انظار المتطفلين بعاهاتهم ، فيعملون ويتحملون ما تسمعه آذانهم عن الحقيقة الخارجة .
المال لا يغني عن الشجاعة ولا يقوم مقامها مطلقاً ، ومثل على ذلك رجل يبقى في وحدة موحشة ، تغمر منزله الفخم ، في ايامه الاخيرة ؛ ان السيدة التي تحدثنا عنها كانت تفكر بحاجتها اليومية للشجاعة ، فمع قوتها وصحتها وحماسها للحياة كانت الايام متنكرة لها ؛ فمنذ ان انتقلت من مسكنها الى جو آخر ، تبدّل الوضع وشاركت الحياة الاجتماعية ، فطرقت النوادي ، ولكن ذلك استغرق فترة قصيرة جداً لم تلبث ان عادت بعدها لتحس بانها حقاً فاشلة ، في كل محاولة ، لممارسة الشجاعة ، ولكنها كانت تخفي ذلك عن اعين معارفها ، بل كانت تظهر على عكس ذلك ؛ وهذا الموقف من اصعب اوضاع الحياة ، فانك تتحملين الماً وضعفاً وتقاسين من الفشل النفسي فتظهرين للعالم قوية سعيدة وشجاعة . ولن تقل الحاجة للشجاعة في مصارعة الاخرين باخطائهم او بآرائك الخاصة .
قالت احدى صديقاتي : « أليس شجاعة ان نصم آذاننا عن انتقاد الغير وسخريتهم ؟ » أجل وتزداد الحاجة الى الاقدام في هذا العصر الذي تطغى عليه المادة وتصارع الروح لاثبات وجودها ؛ ولهذا اثر فعال فيما مضى ولا يزال .
مهما تبدلت اوضاع الحياة ، فالشجاعة شرف في أي موقف فكري وثقة نفسية وسمو ، وهي صفة تسهل مشقات العيش لمن يداومها وكل من اتصل بها ويمكن ان تكتسب اذ لا تولد مع الانسان !


