قال أديب ظريف أظنه أمين نخلة « وخرجا من الفردوس فأسرعت حواء إلى أقرب خياطة في الشارع تفصّل فسطاناً .. أما آدم فقد راح يغرس التفاح في حديقة المنزل وقيل يومئذ الحمد لله » .
ولست أدري في أي شارع وجدت حواء خياطتها ... ولكن ما اعتقده هو أنها جلست تلصق أوراق التين بدبابيس من أشواك الرمان حتى كوّنت شيئاً لا كالذي لبسه آدم .. فلما مضى رجلها بعد أيام واصطاد أول حيوان مخطط الجلد كان لحواء ثوباً أنيقاً تمخترت به أمامه وأطلت في بركة الماء لترى في مرآتها الأولى هذه مقدار جمالها .
وتقلبت الأزياء منذ ذلك الزمن كثيراً وفي هذا التقلب والتغيير وحده أكبر دليل على حب المرأة للتجديد ورغبتها في إبراز مفاتنها .. بل رغبة الرجل كذلك في الأمر نفسه وإلا فلماذا حبّذ .. ولماذا ابتكر .. ؟
ولعل تأنق المرأة يرجع إلى آلاف السنين فقبل المسيح بألف عام كانت المصرية تلبس ثياباً جميلة يقول عنها المؤرخون أنها من نسيج العنكبوت لأنها ناعمة شفافة مثله .. وفي الأهرامات تكتشف مومياآت عمرها خمسة آلاف عام لا نرى ملابسها بسبب التحنيط واللف ولكن قد دفن معها العطر والمكحلة وغيرها من مكملات الأناقة .
ونلاحظ من الصور القديمة التي مثلت أشخاص التوراة وهي أقدم كتاب تاريخي ، أن الرجال والنساء كانوا يلبسون ملابس متشابهة ، مكونة من ثوب طويل حتى الأرض يشد عند الخصر بزنار عريض ، ويطرز الصدر والجوانب عند النساء .. أما غطاء الرأس فهو الكوفية وما يشبه العقال للرجل ـ والمنديل الكبير للمرأة يغطي رأسها وكتفيها وما فوق رأسها من زينة ذهبية ، أو فضية .
وتفرق الناس ، وأصبح لكل بلد ذوقه الذي تكوّن من طبيعة بلاده .. وابتدأ كل بلد يتفنن في ابتكار أزياء خاصة به ، ولا تزال الملابس التقليدية عند اليونان والاسبان والرومان وغيرهم والتي تلبس في الاحتفالات القومية تدل على تباين الأذواق .
ثم اقتربت الدنيا من بعضها بفضل الاختراعات الحديثة وسيطرت باريس بذوقها الفني على العالم ، وانجذب الناس إلى كل ما تبتكره مدينة الفن ، فوضعت معظم الأمم أزياءها الخاصة في متاحفها وخزائنها وأصبحت تستعملها في المناسبات القومية عدا بعض شخصيات قوية أغرمت بوطنها فظلت تفخر بكل ما فيه ..
على أنه من الإنصاف لتلك البلاد العريقة أن تذكر أن كبار مصممي الأزياء بباريس يتوجهون إليها كل ما نضب معينهم أو احتاجوا إلى تجديد .. وفي العام الماضي فقط اتجه كبار الفنانين هؤلاء إلى اليونان وصعدوا إلى القرى المتعمشة على جبالها ليطلعوا على نوع ملابس السكان هناك فيقتبسوا منها لموديلاتهم .. وهكذا فغالباً نرى في ما تورّده باريس طابعاً قديماً كالقطعة التي تلف من الفسطان على العنق وتتدلى على الخصر كأنها الساري عند الهنود ، أو كالقبعات التي كثيراً ما تشبه العمامة المصرية المعروفة بالتوربان وغيرها .
ولقد سايرت المرأة العربية تطور الأزياء هذا .. فبعد أن خرجت من طور البداوة إلى حضارة المدينة ابتدأت تتفنن في ملابسها .. فلما وصلت الأندلس وتأثرت بما فيه وصدّرت من تأثرها هذا إلى البلاد العربية ، كان هناك السروال البديع المزموم على حقويها وفوقه الخلخال ، ثم ما يلبس على القسم الأعلى من جسمها وهو يشبه البلوز إلى حد بعيد مع أناقة في التطريز لا تنكر .. هذا عدا ما تنضده على شعرها من عقود لؤلؤية أو بجوهرات ساحرة .
