بقيت ام عامر ساعة ، تتصارع من نفسها اهواء شتى ، قامت بعدها وصلّت الى الله ، فرجعت الطمأنينة الى قلبها . ثم اتجهت بعزم وثبات الى حيث البندقية ، فحملتها ، وخرجت مسرعة . غابت بعض الوقت ، ثم عادت تحمل بين يديها أثمن شيء في الوجود - زجاجة دواء .
باعت البندقية لجارها ابي حسن ، الذي يبيع السلاح سرّاً للمجاهدين الاحرار ، ثم سارت الى الصيدلية ، واشترت الدواء لوحيدها في جوف الليل . وصلت الأم فوجدت ولدها ما زال نائماً ، فجلست قربه وهي تبتسم بانتصار وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي ابتسمت فيها ام عامر لنفسها . فقد عملت عملاً عظيماً يستحق الابتسام والاعجاب .
★
وفجأة ، استيقظ المريض مرتعداً ، وفتح فمه ، فتعلقت عيناها بشفتيه ، وصرخ قائلاً : « لقد رأيته !! رأيت والدي ... رأيته على ... على شاطئ يافا ... انه يأمرني باسترجاع الوطن ... لبيك يا فلسطين ؛ ها أنذا ... آه .. ها انا قادم اليك ... يا يافا الحبيبة .. »
وعبثاً ، حاولت الأم تهدئة ولدها . نسي انه محموم ونسي انه مريض ، ولم يذكر سوى يافا الجميلة . وهبّ الفتى صارخاً :
« هاتي السلاح يا امّاه » .
ولأول مرة ، ابطأت الأم في تلبية رغبة ولدها ، فنظر الابن الى امه ، وسرعان ما تحوّلت عيناه الى الحائط ،

