ما زلت أذكر بوضوح تام يوم سألت أمي لأول مرة : «متى سأكبر يا أماه» وأجابتني : «مهلاً يا بنيتي فالطفولة أسعد أيام الحياة» .
يومئذ ساورني الشك لأول مرة فيما تقوله أمي . وسمعت هذا القول فيما بعد عدة مرات ومن عدة مصادر وازداد شكي في كل مرة سمعته . وانقلب شكي يقيناً يوم تفهمت حال الأطفال على الطرقات وفي المعامل وفي المستشفيات . إن كانت حالهم هذه سعادة فأي مستقبل يرجون . وأبت عليّ نفسي الاستغناء عن قول يماثل قول أمي رقة وحناناً فقلبته قائلة : «السعادة حق من حقوق الطفولة ومساعدتهم على نيلها فضيلة كبرى» .
وفي «المدرسة البيضاء» رأيت الفضيلة هذه على أحسن حالاتها ... هي مدرسة صغيرة عدد طلابها لا يتجاوز الثلاث مئة . تبدو للناظر شبيهة كل الشبه بأي مدرسة أخرى . ولا يخطر على باله إذ يرقب هذا الجمع من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة والثامنة عشرة ، في عملهم أو في لعبهم أنهم جميعاً مصابون بداء الصراع الخبيث .
بنت هذه المدرسة في ضاحية ديترويت الشمالية سيدة أميركية غنية في أوائل القرن الحالي وأوقفت لها ريعاً كافياً لتكون مدرسة مجانية لكل طفل مصاب بداء الصراع يود الالتحاق بها . وبناء هذه المدرسة لا يختلف عن غيره من البنايات المدرسية إلا في أن الجناح الشرقي من طابقه الأول ، حيث تقع غرفة الطبيب والممرضات ، قد أعد ليستعمل كمستوصف في وقت الحاجة . ثم إن جميع الدرجات في البناء قد بُيّتت بالفلين خوفاً من أن يفاجأ الطفل بنوبة أثناء صعوده أو نزوله فيقع عنها ويتأذى . ورئيسة المدرسة تتكلم عن هذا الدرج المبيّت بالفلين ضاحكة فتقول إن الشخص الوحيد الذي وقع عنه منذ بناء المدرسة إلى اليوم هو طبيب المدرسة . فقد زلت به القدم فتدحرج من أعلاه إلى أسفله !! وهي تضيف بأن الطبيب ساعة وجد أنه لم يتأذّ من وقعته هذه التفت إلى من تجمع حوله من معلمين وتلامذة وقال : «لقد كانت بانية هذا البناء امرأة صالحة» .
أما المعلمون والمعلمات فجميعهم من المتخصصين في التعليم الخاص وهو فرع من فروع دور المعلمين في الولايات المتحدة يدرس فيه التلميذ أسس تربية ذوي العاهات من الأطفال . والطبيب والممرضات في هذه المدرسة موظفون دائمون وعملهم لا يقتصر على تطبيب تلامذتهم بل أنهم يدرسون حالاتهم باستمرار ويصدرون النشرات الإحصائية التي تبين أسباب التحسن أو التأخر في الحالات التي تمر عليهم .
قضيت في هذه المدرسة نهاراً كاملاً فزرت الصفوف واختلطت بالمعلمين والأولاد في أوقات الفراغ . وقد لمست السعادة والمرح بين الجميع . سعادة مصدرها على ما اعتقد روح القبول السائدة عندهم . فالأطفال قد اعتادوا حالة المرض وقبلوها . والمعلمون قد أضافوا ، بإرشادهم ، إلى هذا الجو السليم ، حب الحياة والجهاد من أجلها ... كثيراً ما تدخل ممرضة إلى صف وتطلب من المعلمة أن تسمح لتلميذ ما بأن يذهب إلى عيادة الطبيب فيحمل الصبي كتبه ويترك الغرفة باسماً ، ويتابع الصف عمله . أو قد تصاب طفلة بنوبة في الملعب فيسرع إليها أصدقاؤها وصديقاتها ويقومون بالإسعافات اللازمة لها بينما يتابع غيرهم من التلامذة لعبهم . وتحدثنا ممرضة المدرسة عن إلمام تلامذة هذه المدرسة بخفايا هذا المرض الخبيث . وهي تقول إن الواحد منهم يقوم من نوبته ليستفسر من أصدقائه عن حاله في أثناء النوبة . وقسطهم من كل هذا يكون أقل بكثير مما لو كان الواحد منهم يعيش بين أطفال أصحاء . فإن ذهابه إلى عيادة الطبيب آنذاك يكون مصحوباً بشعور النقص والطفل المريض كثيراً ما يشعر بالنقص أمام الطفل الصحيح . هذا ثم إن شعوره وشعور رفاقه ساعة يصاب بنوبة يختلف في
