عيناها كانت تنطقان بكل شيء ، بالإيمان والصبر ، بالوحدة والألم ، بالذهول . وأخيراً فتح الجندي فمه ، وقال بكلام متقطع :
سيدتي ، إني لا أعزيك .. بل أهنئك ؛ فقد أنجبت أشجع فتى عرفته . وصل إلينا عامر ، وجبهته تنضح بالعرق ، فخطف أول بندقية رآها وصاح : « اتبعوني ، اتبعوني يا إخواني المناضلين » . ولكن البندقية ... البندقية يا سيدتي كانت قديمة وتحتاج إلى إصلاح ، فسرعان ما انفجرت بين يديه ، فنزفت الدماء غزيرة من جروحه . ومع هذا فقد قام مسرعاً وأخذ يسعف هذا ، ويعاون ذاك ، حتى سقط شهيداً على ثرى البلد المقدس ... »
وتعثر الجندي في كلامه ، ولم يدر ماذا يقول أيضاً لهذه المرأة العربية التي لم تتغير قسمة من قسمات وجهها لدى نبأ استشهاد وحيدها . ولكنها أنقذته بقولها :
« لقد ادخرت عامراً لمثل هذا اليوم ، واليوم مات ولدي شهيداً ، كما مات والده منذ ستة أعوام ، وكما مات جده منذ ثمانية عشر عاماً . فالوطن بحاجة إلى النفوس المضحية .. »
★
وشاع نبأ استشهاد عامر في الحي ، ونبأ آخر يقول إن أم عامر تكاد تجن ،

