على اثر الضجة الكبرى في الشهر الفائت ، مفوقة بين صفوف اللبنانيين ، ومثيرة النعرة الدينية من جديد ، تلقينا الكلمة التالية من احدى اديباتنا المفكرات ، تقترح فيها علاجاً لهذا الداء الوطني المستفحل .
العقدة النفسية في نظر علماء النفس فكرة تحاط بهالة عاطفية تحجب التفكير الصحيح وتسوق صاحبها الى تصرفات شاذة او خاطئة .
هكذا الوعي الطائفي عند اللبنانيين عموماً . عقدة نفسية كامنة ، تثور اعراضها في كل فرصة وكل مناسبة ، شأن الامراض المزمنة التي تشعر بوجودها عند كل تقلب في الجو .
على ان مرض الطائفية ، وان كان من الامراض الخطرة ، ليس داء غير قابل العلاج . وما سبب انتشاره وفتكه بنا الا اننا ما زلنا حتى الساعة ، نغذّي اسبابه ، نمكّن له في ارضنا ونمهّد له وسائل النمو ولا نبذل أي علاج ، مع علمنا بانه أشد امراضنا فتكاً ، ومع تحدّثنا ، في السر والعلانية ، عن الشرور والاضرار التي يلحقها بنا .
وحين اقول انا نحن المسؤولون عن انتشاره اعني انا وانت وكل لبناني .
ماذا عملنا حتى الان لمكافحة الطائفية ؟
ماذا عملنا لصهر اجزاء هذا الوطن في بوتقة واحدة ، تجعل من سكانه عناصر متآلفة منسجمة ، تعمل لخير المجموع ، وتعتبر كل جزء من لبنان وطناً للجميع ، وكل فرد من سكانه اخاً للآخر ، كما تقضي الوطنية الصحيحة والمفاهيم الديموقراطية الحديثة ؟
الواقع اننا لم نفعل شيئاً سوى توسيع الهوة القائمة بين طائفة واخرى ، بين ناحية وناحية ، بين حيّ وحيّ بل بين فرد وفرد .
مدارسنا مجموعة متنافرة الميول واللغات والاساليب والاهداف ، يتمثل فيها تنافر الطوائف وتصادم السياسات .
مؤسساتنا العامة ، منظماتنا وجمعياتنا ، وسائل اخرى للتفرقة ، كلٌ منها ينتمي الى طائفة او حزب ، ولا تجد بينها واحدة تخلو من نفوذ بعض الزعامات ومن تأثير بعض الدعايات .
قوانين الاحوال الشخصية تمثل اختلافاتنا المذهبية وقد
وُكل امرها الى اناس يهمهم ابقاء القديم على قدمه ، موسوماً
بطابع القرون الوسطى ، يخشون عليه كل تبديل يقرّبنا من
روح المدنية العصرية ويشيع فيما بيننا مقداراً من التفاهم
والانسجام .
دستورنا الديمقراطي ركن من اركان التفرقة لانه يقضي بتوزيع المقاعد النيابية وتوزيع الوظائف والاعمال على اساس التمثيل الطائفي . ومعنى هذا ان كل خطوة نقوم بها ، وكل مشروع ، حكومي او غير حكومي ، يحتم علينا مراعاة هذا المبدأ وانتهاج سبيل الترضية والتسوية والحذر من اغضاب هذه الطائفة او تلك . والنتيجة الواضحة لذلك هي تضحية الكفاءات في سبيل الترضية والمراعاة ، واحياناً خلق الاعمال والوظائف النافلة وتبذير الاموال الطائلة واهمال الحاجات الضرورية والماسة تحقيقاً لمبدأ التوازن الطائفي .
على ان النتائج لا تقف عند هذا الحد . بل نلاحظ فوق هذا ان علاقات الطوائف فيما بينها تقوم على اساس التنافس بدلاً من التعاون . والتنافس لا يكون دائماً حسن العواقب ، بل كثيراً ما يدفع اصحابه الى التهور والسخف . وليس يخفى علينا تسابق الطوائف الى عرض مظاهر الدين وتنافسها في تعظيم الاعياد والطقوس وتعزيز القشور التي ليست من الدين في شيء ، الى جانب اهمالها روح الدين التي تأمر بالتآخي وتقضي بتطهير الباطن قبل الظاهر .
اقف في كلمتي عند هذا الحد ، حذر التوغل في موضوع يحتاج الى درس ادق وابعد مدى . لعله يوفق الى من يدرسه مطولاً من اهل الاخلاص . ولعل الفئات التقدمية في هذا البلد تبادر الى معالجة الخطر قبل استفحاله ، بالدعوة الى حملة اصلاحية تستأصل الداء من اساسه ولا تكتفي بالتسكين والترقيع ، كعادتنا فيما مضى . وفي رأس قائمة الاصلاح الغاء مبدأ التمثيل الطائفي في الدستور ، لانه الاصلاح الاساسي الذي يستطيع ان يجر وراءه سلسلة من الاصلاحات اللازمة في حقول التربية والقانون والاجتماع .
اذا اردنا محو الطائفية من النفوس ، فلنبدأ بمحوها من السجلات والنصوص . ان وجودها او زوالها مرهون بارادتنا .
